التدخل المصري في مسألة ثورة أهل اليونان

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares

في عام 1822م اندلعت ثورة كبيرة في بلاد اليونان ضد الحكم العثماني، اهل اليونان اللي عانوا من حكم الأتراك لمئات السنين عايزين يتحرروا من البطش والقمع في وقت كانت الدولة العثمانية بتعاني من ضعف داخلي أدى إلى عدم احكام سيطرتها على أملاكها في أوروبا. وأرسل السلطان العثماني محمود الثاني قوات تركية لقمع الثورة في أثينا فحاصرها اليونانيين في الأكروبوليس وأفنوهم عن بكرة ابيهم!.. ماكانش أمام السلطان العثماني الا حاكم مصر محمد علي باشا اللي سبق واستعان به في الحجاز (طالع هنا).. ياترى ايه اللي حصل في بلاد اليونان؟.. وهل نجح محمد علي باشا في المطلوب منه؟.. دا موضوع تدوينة النهاردا.. تعالوا نشوف ايه اللي حصل..

300px-Epanastasi.jpg

تأثر اليونانيين في بداية القرن 19 بمبادئ الثورة الفرنسية واللي كانت بتنادي بالحرية والعدالة والمساواه، ودا اللي شجعهم على رفض الحكم العثماني واللي كان من القرن ال15 تقريبا وكان بشكل شبه قمعي وغير مقبول لشعب اتربى على الحرية من قديم الأزل، ورغم ان الدولة العثمانية في الوقت دا كانت بتتميز بالضعف لكن أوروبا كانت بتؤيد وجودها عشان ماتتناقلش دعاوي التحرر في القارة الأوروبية وتظهر دول جديدة تعيد رسم الخريطة من اول وجديد وتهدد الدول الكبرى، في وقت كانت فيه دول اوروبا بتعاني من توسعات فرنسا بقيادة نابليون بونابرت. تألفت جمعية يونانية سرية اسمها “أخوية الصداقة” عام 1820م وكانت بتحمّس اليونانيين للثورة ضد الحكم العثماني، عرف بيها السلطان العثماني فأراد وأد الثورة من بدايتها فاتهم بطريرك اليونان بدعم الثوار وأمر باعدامه، فتحرك اليونانيين وقتلوا الأتراك المقيمين في اليونان انتقاما للبطريرك وكمان احتلوا الجزر في بحر ايجة وبقوا يقطعوا الطريق على السفن التركية التجارية المارة وينهبوها ويقتلوا من فيها وأحيوا عهد القرصنة من جديد! كما اعلنوا استقلال اقليم المورة عن الدولة العثمانية وصارت مملكة ولها دستور قومي خاص.

280px-Greekhistory.GIF

وفشلت الدولة العثمانية بادئ الأمر في قمع الثوار بحرا وبرا وتكبدت خساير كبيرة، فأرسل السلطان يستعين بمحمد علي باشا والي مصر واللي كان ابتدا يكوّن جيش نظامي حديث سبق واستعان به قبل كدا ضد الوهابيين في الحجاز، فخاف السلطان ان محمد علي يوصل به الغرور لمرحلة الأنفصال عن دولته هوا كمان فقال يشركه معاه عشان يشغله عن تقوية جيشه، واستجاب محمد علي باشا وأرسل بعض سفن الأسطول المصري لبلاد اليونان عام 1822م تحمل اكثر من 5000 جندي بقيادة حسن باشا الى جزيرة كريت وجزيرة قبرص، ونجحت القوات في بداية الأمر في قمع الثورة هناك واستطاعوا تحرير السفن التركية المحتجزة.

وجاء من بعده ابراهيم باشا في 51 سفينة حربية مزودة بالمدافع و146 سفينة نقل جنود حملت 17 ألف جندي و 4 بلوكات مدفعية و700 فارس غير الأسلحة والذخيرة، أقلعت من ميناء الأسكندرية في يوليو عام 1824م وقصدت جزيرة رودس وخليج ماكري في الأناضول لمقابلة الأسطول التركي بقيادة خسرو باشا فهاجمتهم السفن اليونانية اللي أجبرها ابراهيم باشا في بداية الأمر على الرجوع للخلف واستطاع دحرها والوصول للشاطئ بجزيرة كريت في سبتمبر 1824م، وظل متحين الفرصة لخلو البحر من سفن اليونانيين حتى ابحر الى ميناء مودن وكورون اللي كانوا مازالوا في حوزة العثمانيين لكن بتحاصرهم قوات الثوار اليونانيين، فاستطاع ابراهيم باشا فك الحصار وارسل قوة من جيشه لأحتلال نافارين، وبعدين سار خلفهم واستطاع هزيمة الثوار في نافارين واسر قائدهم وتشتيت اغلب المقاتلين في الجبال، وكانت هزيمة مدوية اصابت اهل اليونان بالإحباط وساعدت على تقدم الجيش المصري والعثماني للأمام والأستيلاء على نافارين في مايو عام 1825م.

81

ولما تقدم الجيش المصري في معاركه ضد ثوار اليونان، لجأت قوة منهم الي مهاجمة سواحل مصر لعلها تشغل سفن الأسطول وتعوق تقدمه زي ماكانت بتعمل مع السواحل العثمانية في بحر ايجة، فهاجمت 3 سفن يونانية الأسطول القابع في طابية صالح بالقرب من ميناء الأسكندرية لحرق السفن باستخدام النار الإغريقية (واللي سبق احرقت كثير من سفن الأسطول العثماني، لكن كانت الحامية المصرية أكثر يقظة فاستطاعت قصف واحدة من السفن بالمدافع قبل ماتقرب من الطابية، وهرب الأتنين التانيين، فخرجت وراهم زوارق حربية مزودة بمدافع لتعقبهم وخرج كذلك عدة سفن بقيادة محرم بك، ووصلوا لجزيرة رودس اللي استطاعوا احتلالها بعد هروب سفن اليونانيين منها.

398px-Eugène_Ferdinand_Victor_Delacroix_017.jpg

بعد سقوط المورة، تقدمت قوات ابراهيم باشا وبعد حروب طاحنة مع سكان الجبال اليونانيين استطاعوا احتلال مدينتي كالاماتا وتريبوليتزا عام 1825م ومدينة ميسولونجي في ابريل عام 1826 بعد اجتماع الثوار بنسائهم بأطفالهم بشيوخهم في مخزن للذخيرة واشعلوا النار في انفسهم فانفجر المخزن وأودى بحياته اكثر من 2000 شخص بعد ان قالوا: “نموت ولا نستسلم!”..

800px-Athen_Anchesmos

وتقدم الجيش التركي نحو مدينة اثينا بدعم مصري واحصن حصاره لها حتى تم استيلاءه على اثينا والقبض على مابها من ثوار في يونيو 1827، ولكن باقي الثوار اللي هربوا من اليونان امام قصف الجيوش العثمانية الى بحر ايجة، يستولون على السفن التجارية العثمانية ويقتلون مبحارتها وينهبون حملاتها، فقرر محمد علي تجريد حملة جديدة للقضاء على اخر معاقل ثوار اليونان ووأد الثورة تماما، كانت السفن المصرية رجعت لميناء الأسكندرية للراحة وبعض الأصلاحات وكمان الجند نزلوا اجازة وأبحروا من جديد في أغسطس 1827 بعد انضمام قطع جديدة اشتراها محمد علي من ايطاليا وفرنسا.

Kolokotronis_statue

في الوقت دا كان الرأي العام الأوروبي تحرك ضد مصر والدولة العثمانية من جراء حملات اعلامية من جمعيات يونانية بتدافع عن الثورة واستطاعت انها تضغط اقتصاديا على انجلترا وفرنسا وألمانيا لأنقاذ الموقف في اليونان، كمان الدول الأوروبية هالها منظر البحرية المصرية الواقفة قبالة سواحل اليونان وكمان تقدُّم القوات المصرية واستبسالها ضد ثوار اليونان، وكمان نظامية الجيش المصري في القتال واللي كانت فارقة كتير عن قتال الجيش العثماني وأدت الى تحقيق الأخير لمكاسب ماكان يحققها لو كان بيحارب بمفرده، فقررت انها تتدخل بغرض “قصقصة ريش” الجيش المصري فقط دون القضاء عليه!.. وعليه عقدت الدول الأوروبية معاهدة لندن في يوليو 1827م واللي بتنص على التدخل لدى الدولة العثمانية على أساس “حصول اليونان على الحكم الذاتي مع بقاءها في ظل السيادة العثمانية” (!).. وأوفدت انجلترا أسطول من 12 سفينة حربية، وفرنسا 7 سفن ومعاهم الأسطول الروسي 8 سفن وجاء من بحر البلطيق، وكانت المعاهدة دي بمثابة عودة الروح من تاني للثورة اليونانية.

Navarin marital war

كان الأسطول المصري قد أبحر من الأسكندرية من جديد زي ماقلنا في اغسطس 1827 قاصدا القضاء على اخر معاقل الثوار في بحر ايجة وجزيرة هيدرا، وكانت عدتها: 18 سفينة حربية و16 سفينة تابعة للأسطول التركي 40 سفينة نقل جنود تحمل اكثر من 4600 مقاتل، بالأضافة لست حراقات (سفن لأطلاق النار الإغريقية) وصلت لميناء نافارين في سبتمبر 1827 وانضمت اليها اسطول تاني جاي من القسطنطينية، وتأهب الكل لشن الحملة على جزيرة هيدرا والإعداد لحملة برية في شبه جزيرة المورة. في حين وصلت اساطيل الحلفاء وتمركزت في منتصف الطريق الى جزيرة هيدرا، وأرسل قائد الأسطول الأنجليزي لأبراهيم باشا يعلمه بنتائج معاهدة لندن ويطلب منه وقف القتال في بحر ايجة والعودة الي الأسكندرية، ونفس الشيء أملاه عليه قائد الأسطول الفرنسي، فطلب ابراهيم باشا مهلة كي يخبر الباب العالي في الأستانة والباشا في القاهرة وينتظر الرد، فامهله الحلفاء على ان يكفوا عن القتال ولكنه تلاحظ للجيش المصري تحركات ثوار اليونان في بحر ايجه واحتلالهم لخليج كورنثة وكان يحتله الجيش المصري، فقال ابراهيم باشا للحلفاء: “انكم تطلبون مني وقف كل حركات القتال، وفي الوقت نفسه تتركون الأروام (اليونانيين) يفعلون ما يشاءون، وإن هذا ليس من الانصاف في شئ”.

550px-Navarin_navires_ottomans_ar

ولما لم يجد ردا من الحلفاء سار في تحركات صغيرة الى راس باباس لمقاتلة بعض الثوار ونجدة الحامية المصرية، فرأى الحلفاء ان دا يعتبر خروج عن الهدنة المطلوبة وتدخلوا لدى ابراهيم باشا وحملوه مسئولية نقض الهدنة، فلما لم يرد عليهم ابراهيم باشا، أرسلوا الى الضباط الفرنسيين والأيطالينني اللي كانوا بيحاربوا في قوات الجيش المصري بالأنسحاب، وفعلا انسحبوا من الأسطول في 19 اكتوبر 1827، وفي تمام الساعة الثانية ظهر يوم 20 اكتوبر اقتحمت سفن الحلفاء البوغاز ودارت معركة طاحنة بينها وبين السفن الراسية المصرية العثمانية انتهت بعد اكثر من 3 ساعات من القتال الشرس بتحطيم الأسطول المصري والعثماني، منها سفن عديدة أحرقها بحارتها حتى لا تقع في أيدي الحلفاء، وفقدت القوات المصرية العثمانية اكثر من 3000 قتيل غير الجرحى، في حين كانوا قتلى الحلفاء لا يتعدون 160 غير 300 من الجرحى!.. وتعد معركة نافارين من معارك الغدر ومثال لنقض العهود المواثيق، لأنها وقعت من غير إعلان حرب بين تركيا ودول الحلفاء، وكمان أخدوا السفن المصرية والتركية غيلة من غير إنذار او استعداد للقتال، وكل دا مناف لابسط قواعد الحروب المتفق عليها بين الدول المتقدمة، لكن تحقق للحلفاء ما أرادوا، وفقدت مصر في المعركة دي اسطولها اللي قضى محمد علي باشا السنين الطوال يبنيه بكثير من الجهد والمال، في حين كانت خسارة السفن العثمانية أقل لقلة عددها بالبوغاز.. أما ابراهيم باشا فلم يشهد المعركة لأنه كان داخل بلاد الموره بينقذ الحامية المصرية المحاصرة زي ماقلنا، وأول ماوصله الخبر رجع على نفارين يشوف بنفسه السفن المدمرة، فحزن لها حزنا شديدا، ولكنه امر باعداد بعض السفن اللي نجت من الضرب ومحاولة تعويم بعض السفن التانية اللي غرقت وأرسلها الى الاسكندرية مع الأنباء وقعد في انتظار ورود رد الباشا من مصر بالأوامر.

في الوقت ده ثار السلطان العثماني ثورة عارمة، وبعت جاب قناصل انجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا في الأستانة وبلغهم غضبه الشديد للي حصل في نافارين وطلب منهم جلاء قوات الحلفاء عن اليونان وتعويضات عن السفن اللي تم اغراقها، فردت روسيا ردا عمليا بإحتلال مدينة ادرنة التركية، وأوفدت فرنسا جيش بري من 18 الف جندي لليونان وبدأ الحلفاء في إملاء شروطهم على محمد علي باشا مباشرة:

bulaq02

  1. يتعهد محمد علي باعادة الاسرى اليونانيين وتحرير من بيع منهم في مصر.
  2. يتعهد الاميرال الانجليزي بارجاع الاسرى المصريين واعادة السفن المصرية التي اسرت اثناء القتال.
  3. ان تخلي الجنود المصرية ميناء وبوغاز ومدينة الموره وينقلهم محمد علي باشا للإسكندرية على سفن مصرية.
  4. الا يُكره اليونانيون المقيمون بمصر على الرحيل منها ولا يجبرون على البقاء فيها، وكذلك يسمح لمن يشاء من اليونانيين أن يصحبوا الجيش المصري في عودته لمصر.
  5. يجوز لإبراهيم باشا ان يترك في المورة عددا من العسكر لا يزيد عن الف ومائتين للمحافظة على مودرن وكورون ونافارين وباتراس وكستل وتويرزه ، أما المواقع الاخرى فتخلى فورا.

وبعدها اقتنع كلا من ابراهيم باشا و محمد علي باشا، على مضض، بعدم جدوى البقاء في اليونان، وكمان معاداة الدول الأوروبية، فأقلعوا في اكتوبر 1828 قاصدين سواحل الأسكندرية بكثير من خيبة الأمل والأمراض والأحباط اللي أصاب الجنود وقوادهم، وتكبّدت مصر في الحملة دي متاعبة وضحايا هائلة، ونفقات جسيمه من غير مايكون لها في اليونان لا ناقة ولا جمل! وكفاية عليك انك تعرف ان الجيش اللي طلع من مصر عام 1821 ومابعدها بلغ 42 ألف جندي مات منهم قرابه 30 الف في اليونان، وبلغت نفقات الحملة 775 ألف جنيه تكفل بيها محمد علي وحده دون ماياخد جنيه واحد من السلطان في الأستانة، غير فقدان مصر لأسطولها الحربي زي ماشفنا، فكانت خسائرها في الحملة فادحة وتضحياتها بالغة، ومكاسبها محدودة للغاية.. تكاد تكون مافيش!!..

لطفا لو عجبتك التدوينة او حسيت منها باستفادة انك تشيرها لاصدقاءك لتعم الفايدة، وماتنساش التقييم أعلى الصفحة، وكمان ماتبخلش علينا باللايك لصفحة الفيسبوك والفولو لحساب تويتر وجوجل بلس وطبعا الفولو للمدونة هنا.. وشكرا

مراجع:

  • عصر محمد علي ج2 – عبد الرحمن الرافعي طبعة دار المعارف 2009
  • المعرفة الموسوعة الحرة
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares
  •  
    17
    Shares
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

6 thoughts on “التدخل المصري في مسألة ثورة أهل اليونان

شاركنا برأيك فيما قرأت!..