الإسكندرية في عهد صلاح الدين – «البداية»

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في اواسط القرن الثاني عشر الميلادي كانت الدولة الفاطمية في مصر تلفظ انفاسها الأخيرة، ويتجمع عليها «الأَكَلَة» من كل حَدبٍ وصَوب يريدون الفوز بنصيبهم مما تركت (للمزيد طالع هنا). وكانت عيني نور الدين محمود في دمشق ترنو الى مصر، وأيدي عموري الأول ملك بيت المقدس الصليبي تمتد لتمسك بما قُسِمَ لها من الجسد المحتضر. وفي مصر وزيرٌ خائن يتحالفُ مع الشيطان ويضع مصلحته العليا فوق الدولة والخليفة وكافة شيء.. في تلك الأجواء القاتمة ظهر فارس شاب قادم مع الجيش الزنكي من سوريا يريد ان يفوز بنصيبه من الغنائم، فكانت الأسكندرية هي البوابة التي دخل منها الى قلوب الناس حتى جلس عرش مصر.. فكيف حدث ذلك؟.. دا هايكون موضوع تدوينتنا النهاردا وهانركز شوية على احداث الأسكندرية.. خليكو معانا..

جاء الجيش الزنكي الى مصر ثلاث مرات، يهدف الى الأستيلاء على البلاد قبل ان يستولى عليها الصليبيين بعد ان ارسل الوزير شاور (الخائن) يستنجد بهم ضد الزنكيين مقابل جزية يدفعها سنويا. فجاء الزنكيون الى مصر بجيش كبير أواخر عام 1166م يهدف مصر الى املاكهم وطرد الصليبيين، فقد شاهد في حملته الولى منذ عام من الوهن ما أغراه بالغزو وهونه في عيني سلطانهم نور الدين محمود. وكان الجيش بقيادة أسد الدين شيركوه ومعاونة ابن أخيه الشاب صلاح الدين يوسف بن أيوب. وبالرغم من تكتم خبر الحملة ألا أن انباءها وصلت لعموري في بيت المقدس فأرسل يحذر «صديقه» الوزير شاور والذي طلب معونته فأسرع يدخل مصر قبل وصول الزنكيين، واجتمع جيش الصليبيين والجيش الفاطمي ينتظر أسد الدين وابن أخيه عند بلبيس. وعلم أسد الدين بالأحداث، فاتجه بجيشه جنوبا وعبر النيل بجنوده نحو الجيزة وضرب معسكرا وكان هذا خطأ استراتيجي قاتل، اذ علم شاور وعموري بتحركاته فتحركا يحاصرانه من ضفة النيل الشرقية ويقطعان عليه سبل الأتصال مع قاعدته بالشام، وعلم شيركوه بخطورة موقفه فاستمال بعض القبائل العربية المقيمة هناك وأرسل لشاور يعرض عليه التحالف ضد عموري باسم الأسلام (!!)..

«.. وما أأمل منك الا نصر الأسلام فحسب فالعدو قد جاء الى هذه البلاد والنجدة عنه بعيدة وخلاصه عسر، وأريد أن نجتمع عليه انا وأنت وننتهز الفرصة التي أمكنت والغنيمة التي كتبت فنستأصل شأفته ونخمد ثائرته، وما أظن ان يتفق للأسلام مثل هذه الغنيمة أبدا..» – ابن الأثير – الكامل في التاريخ ج4

ولكن شاور كان يخشى بأس الزنكيين ويراهم خطرا على نفوذه أكثر من الصليبيين!.. فأمر بقتل رسول شيركوه وأرسل اليه رأسه وأطلع عموري على مكنون الرسالة ثم سارا معا يحكمان حصار الضفة الشرقية. ولما علم شاور ارسل الى نجم الدين ابن مصال في الأسكندرية وكان ابن أحد الوزراء السابقين في عهد الظافر، فوجد منه أذنا صاغية ووعده ابن مصال باستمالة السكندريين وكانوا في مجموعهم من السنّة المالكية الكارهين لشاور والفاطميين، ويستفزهم وجود الجيش الصليبي في البلاد واستعانة الوزير الأكبر بهم، وكان ابن مصال مستخفيا من جراء احداث فتنة سابقة فانتهزها فرصة وظهر يؤلب الناس ضد شاور، فتجمع السكندريون حوله.

saladinalex1-2

وتقدم شيركوه بجنوده نحو الصعيد يجمع الأموال ويزيد من مقاتليه بفرسان الأعراب الراغبين في قتال الصليبيين، وجيوش شاور وعموري تتبعاه على الضفة الشرقية تحاصره وتمنعه من العبور حتى نجح في خداعهم والعبور قرب قرية البابين (محافظة المنيا الحالية) وهناك إلتحم الفريقان في معركة كبيرة، ورغم التفوق العددي لجيوش الصليبيين الا ان فرق الفرسان الأعراب التي انضمت لجنود شيركوه قد زادتهم قوة استطاعت النفاد لقلب الجيش الصليبي وتمزيقه، فأسروا منه جندا كثيرة وتشتت الباقي في الجبال وكادوا ان يأسرون عموري نفسه ولكنه نجح في الهرب مع جند الوزير شاور شمالا. وتبعهم شاور بجنوده شمالا وقصد الأسكندرية للقاء ابن مصال، فنشر جنوده بها وحبس اسراه الصليبيين في احد القصور، والتقى القاضي الرشيد بن الزبير فرحب به وقدم اليه مجموعة كبيرة من المقاتلين والأسلحة للتقوي بها على لقاء شاور، وبعد أن اطمأن الى الدعم السكندري تحرك بجزء كبير من قواته وترك حامية بسيطة في المدينة بقيادة ابن اخيه صلاح الدين وتحرك جنوبا نحو الفيوم.

حملة الزنكيين على مصر.jpg

ووصلت الأنباء لشاور فتحرك مع عموري للأسكندرية، وحاصرها لمدة ثلاثة اشهر وضرب اسوارها بالمنجنيق بعنف، وقاتل اهلها بلا هوادة في حين اعجب اهلها بقائدهم الشاب وخططه في تشتيت جيوش الصليبيين وتفتيت قواهم أكثر من مرة، فكان لقلة جنوده يخرج جماعة منهم لقتال الجنود خارج الأسوار ويهجم عليهم هجمة شرسة خاطفة ثم يعود بهم مرة ثانية داخل المدينة، فيبدلون ملابسهم البالية بملابس جديدة ويخرجون من باب أخر ويهاجمون من جديد، وكرر ذلك غير مرة فأوهم اعدائه بكثرة عدد جنوده وهي خطة مشابهه لخطة القائد خالد بن الوليد والتي حقن بها دماء المسلمين في معركة مؤتة، فتراجع شاور ومن معه لمعسكر في احراش الجنوب حتى عَلِمَ الجميع بتحرك اسطول من الصليبيين من عكا لنجدة عموري ومن معه في الأسكندرية، فأرسل لشيركوه بالفيوم يستنجد به للمعاونة فلجأ الأخير الى تسريب انباء لشاور ان الجيش الزنكي يتحرك قاصدا القاهرة، ولم تكن بها حامية كبيرة للدفاع عنها، فرفع شاور الحصار عن الاسكندرية واتجه للقاهرة، وأرسل لشيركوه يريد التفاوض.

hqdefault (2)

ووصلت الأنباء الى اهل الأسكندرية، فارتفعت معنوياتهم بعد ان زالت الغمة وانفك الحصار، ووقفت السفن الصليبيه ترقب الأحداث وتتلقى الأنباء في عرض البحر دون اقتراب من الشواطئ المصرية، واتجه صلاح الدين للقاهرة لحضور المفاوضات، واتفقت الأطراف على انه لا قبل لقوة منهم على الأستيلاء على مقاليد الأمور في مصر، فاتفقوا جميعا على الأتي :

  • جلاء كلا من الزنكيين والصليبيين عن البلاد.
  • ان يتحمل شاور كافة النفقات والخسائر التي تكبدها الجيش الزنكي في حملته على مصر.
  • ان يتم اطلاق سراح كافة الصليبيين الأسرى في الأسكندرية، وكان عددهم كبير.
  • ان يدفع شاور سنويا لمملكة بيت المقدس جزية قدرها 30 الف دينار ذهبي.
  • ان يكون رحيل الجيش الصليبي من الأسكندرية وان يُسمح للجنود التجول بسلام ومشاهدة المدينة لمدة ثلاثة ايام دون ان يتعرضون لأحد أو يتعرض لهم احد.
  • في مقابل ذلك يقدّم عموري عدة سفن للزنكيين لنقل المصابين والضعفاء منهم بحرا، ويُسمح لهم بالنزول في ميناء عكا والخروج منها بسلام الى دمشق.
  • الا يتعرض شاور للسكندريين بسوء، وان يستوصى بهم خيرا بعد رحيل الزنكيين.
  • ان تبقى حامية قوامها 50 فارس صليبي في القاهرة للأطمئنان على تنفيذ بنود الاتفاق تتخذ من جامع الحاكم (وكان مهجورا وقتها) مقرا لها.

يروي لنا د. جمال الشيال نقلا عن كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين» لأبي شامة المقدسي (ت 1266م)، ان اهل الثغر خافوا من بطش شاور فأخذ اعيانهم يرحلون عن البلدة في اثر الأسد والصلاح (الزنكيين)، ولم ينس صلاح الدين ماقدموه اهل الأسكندرية من تضحيات وعون فاستحلف شاور مرارا أى يمسهم بسوء، ولكن شاور المتسرع حنث بيمينه قبل رحيل الزنكيين والصليبيين من القاهرة، فأرسل سرا من يعتقل نجم الدين بن مصال والقاضي ابن الرشيد وجماعة ممن تعاونوا مع صلاح الدين وشيركوه قبل ان يفروا. وعلم صلاح الدين بذلك، فاجتمع بعموري وأطلعه على ذلك وشكا اليه نقض شاور للأيمان التي أخذها على نفسه، فأنكر عموري ذلك وطلب من شاور اطلاق سراح كل المعتقلين!.. وألزم الجميع شاور يمينا جديدا الا يتعرض لأهل الأسكندرية بسوء، وعهد عموري الى حامية (جامع الحاكم) الصليبية متابعة تنفيذ ذلك.

Cuui44GWIAA0Bw6 (2).jpg

وبعد تولى صلاح الدين للوزارة في عام 1171م لم يكن غريبا ان يكون اهل الأسكندرية هم أول من يرحب بالقضاء على الفاطميين، بعد ان اتخذ وزيرهم الجديد لهذا الإجراء عدته، فيروي أبي شامة ان أول مدينة قطعت الخطبة للعاضد الفاطمي ورفعت اسم وراية المستضئ بنور الله العباسي كانت في الأسكندرية في سبع ليال ولت من رمضان عام 567هـ في جامع الجيوشي (العطارين)، ثم اقيمت بعد ذلك في القاهرة في الثامن والعشرين من نفس الشهر، ويضيف ابي شامة ان راية العباسيين السوداء قد أقيمت فوق المنبر خلف الواعظ دليلا على استتباب الأمر واستقرار الأحوال. وصار دعاة الأسكندرية بعد ذلك يطاردون الدعاة الشيعة اينما ذهبوا، فيروي أبي شامة خبر مطاردة الأهالي لداعية شيعي اسمه “أبو قديد” يدعو لاعادة دولة الفاطميين ونشر المذهب الأسماعيلي (الشيعي) بين السكندريين، فقبض عليه الأهالي وسلموه لعسكر صلاح الدين وقتلوه.

220px-arabischer_maler_um_1335_002

ولكن الأمر لم يستتب لصلاح الدين في بداية عهده في مصر بسهولة، فكانت الصليبيين على مصر منذ اعوام ويعلمون ان وقوعها في ايدي الزنكيين قوة لهم فشعروا بخطورة موقفهم في بيت المقدس، فأرسلوا اسطولا من صقلية، التي كانت قد وقعت في حوزة النورمان منذ عدة سنوات، للأغارة على الأسكندرية، وهناك دارت معركة اخرى.. ماذا كان موقف صلاح الدين وماذا فعل اهل الأسكندرية؟.. دا موضوع التدوينة الجاية ان شاء الله فتابعونا.

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ الأسكندرية في العصر الأسلامي، دار المعارف 2000
  • ابن الأثير، المختار من الكامل في التاريخ قصة صلاح الدين الأيوبي، دار التراث 1998
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

 


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “الإسكندرية في عهد صلاح الدين – «البداية»

شاركنا برأيك فيما قرأت!..