الإسكندرية في عهد صلاح الدين – «هجمة صقلية»

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares

في بداية عهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لم يكن من اليسير على اتباع الدولة الفاطمية «البائدة» ان يشاهدوا الأمر وقد استتب للدولة الجديدة، فراحوا يدبرون مؤامرات وخطط للقضاء على الدولة والسلطان. فكيف استطاع صلاح الدين الانتصار على كل هؤلاء المتأمرين؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

5483018

كان انصار الفاطميين في الداخل متمثلين في حاشية القصر ودعاة الدولة وعامة الإسماعيلية من المصريين وجند السودان (وكان صلاح الدين قد هزمهم وشتت شملهم بعد ثورتهم عام 1170م وافراد من اسرة الوزراء شاور وزُريك وآخرين، ووضعت الخطة على اساس الأستعانة بشيخ الجبل (الحشاشين) سِنان، وبالفرنجة في الشام وصقلية وكان النورمان قد استولوا عليها مع جزيرة مالطة عام 1091م وطردوا العرب منها، وقد شارك في المؤامرة الشاعر عمارة اليمني لما له من صيت وشهرة أنذاك وصداقة مع الأمير توران شاه بن صلاح الدين الأيوبي، فكان دوره ان يقنعه بالخروج في حملة لضم اليمن بعد نجاح والده السلطان في ضم الحجاز عام 1174م، وحين يخرج الأمير بنصف الجيش تقريبا فيضعف بذلك قوة الجيش المتبقية في مصر، في حين يتشتت شمله ومن معه في حملة طويلة بعيدة عن قاعدة الأمداد بالقاهرة، ومن ناحية اخرى تهجم اساطيل الفرنجة من الشام وصقلية على الأسكندرية، فإن خرج صلاح الدين للقائهم يثور جند السودان والأرمن في القاهرة ويملكون البلدة ويعيدون المُلك للبيت الفاطمي ويتركوا للفرنجة مهمة القضاء على صلاح الدين وجيشه، وان بقي فيها يملُك الفرنجة الأسكندرية ويتقدمون نحو القاهرة فيقع صلاح الدين وجيشه بين جبهة داخليه (كتائب السودان والأرمن) وجبهة خارجية (جيش الفرنجة).. فكانت خطة محكمة، ومؤامرة لا يسهل الخروج منها..

ولكن السلطان صلاح الدين كشف أبعاد المؤامرة عن طريق رجل من ثقاته وهو الواعظ زين الدين بن نجا. وكان ملك بيت المقدس قد أرسل الى صلاح الدين برسالة وهدية في الظاهر، ولكنه كان مكلفا بالأتصال بالمتآمرين سراً، يقول ابن الأثير:

«فأتى الخبر الى صلاح الدين من بلاد الفرنجة بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق بهم من النصارى وداخله فأخبرهم بالخبر على حقيقته..» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

ويأمر صلاح الدين باعتقال رؤوس المتأمرين، واستفتى العلماء في أمرهم فقضوا بقتلهم، فقُتلوا وصُلبوا على ابواب القاهرة وكان من بينهم الشاعر عمارة اليمني، فتخلص صلاح الدين حينها من الجبهة الداخلية، أما الجبهة الخارجية فعندما علم ملك بيت المقدس بأنباء القاهرة أحجم عن المشاركة وترك الأغارة على مصر لملك صقلية وليم الثاني (المعروف بالطيب) Guglielmo II di Sicilia وكان يريد اظهار قوته في حوض البحر المتوسط، فأعد اسطولا ضخما يروي ابن الأثير انه ظل خمس سنوات يبني فيه، وهاجم الأسكندرية في نهاية يوليو 1174م، ووصل نبأه قبل مجيئه برسالة تحذير من ملك القسطنطينية وكان معاديا لملوك النورمان، ويصف ابن الأثير اسطول ملك صقلية فيقول:

«.. كانت عدته مائتين شيني (مركب) تحمل الرجالة وستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل وستة مراكب كبار تحمل الات الحرب واربعين مركب تحمل الأزواد وفيها من الرجال خمسون ألفا ومن الفرسان ألفا وخمسمائة تركبلي (فارس) وكان المُقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية وسيره الى الأسكندرية من ديار مصر فوصل اليها في سادس وعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين.. » – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

الأحد 28 يوليو: استطاع الصقليين انزال جنودهم في صباح ذلك اليوم عند ساحل الفنار والساحل الشرقي (الرمل)، فخرج اهالي الأسكندرية بسلاحهم وعدتهم لمناوشة الغازين، واستطاعوا الوصول لسفن الأسطول المصري الراسية في الميناء الشرقي واحراقها قبل ان يغنمها الفرنجة، واستمر القتال الى الليل فلم يستطع الفرنجة الأقتراب أكثر من الساحل، فضربوا خيامهم الى الشرق (الرمل) وكان عددهم 300 خيمة.

الأثنين 29 يوليو: عاود الفريقين القتال، وتقدم الفرنجة بدباباتهم حتى حاذوا الأسوار كما نصبوا مجانيقهم واستعدوا بأحجار أصطحبوها معهم من بلادهم. أما الأهالي وحامية الأسكندرية فقد تمركزوا في ابراج الأسوار يدافعون عن المدينة ويمطرون اعداءهم بالسهام فيمنعونهم من الأقتراب من الأسوار، ويتلقون ضربات المنجنيقات ويصلحون بسرعة مايعطب منها من الأسوار.

الثلاثاء 30 يوليو: خرج الأهالي صباح ذلك اليوم من الباب الشرقي وباب البحر بجموع هائلة في هجمة منظمة فاستطاعوا ان يستولوا على بعض دبابات الفرنجة ويحرقوها وتراجع اعدائهم على اثر ذلك الى الوراء نحو معسكرهم واستمر القتال حنى نهاية اليوم، يقول ابن الأثير:

«وعاد الأهالي مع اول الليل فرحين مستبشرين بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجرح في رجالتهم..» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

alex-map-ayyubide-era1

وكان معسكر السلطان صلاح الدين عند فاقوس (بمحافظة الشرقية الحالية)، فأرسل اليه والي الأسكندرية بالحمام الزاجل ينبئه بوصول الصقليين، ثم ارسل اليه بنبأ ماحدث فأرسل السلطان رسالة بالحمام الزاجل يبشرهم بقرب وصوله، وأرسل جزءا من عسكره الى ثغر دمياط لمساعدة حاميتها في الدفاع عنها حال مهاجمتها، وأرسل حامية اخرى للأسكندرية. ووصلت الحمامة تحمل رسالة السلطان الى الأسكندرية مساء يوم الثلاثاء، فأمر قائد الحامية بمنادي ينادي في شوارع الأسكندرية يبشر الأهالي، وكان فِعلا جيدا اشعل الحماسة في صدور المزيد من الأهالي، فخرجوا عن اخرهم (على رواية ابن الأثير) لأستئناف القتال وبشراسة، وهذا يدل ان صلاح الدين كان بالنسبة لأهل الأسكندرية بطلا اسطوريا وزعيما محبوبا قد عرفوه عن قرب في معارك حصار شاور وعموري لأكثر من ثلاثة شهور عام 1166م. يقول ابن الأثير:

«فلما سمع الناس ذلك عادوا الى القتال وقد زال مابهم من كلل وألم الجراح، وكل منهم يظن ان صلاح الدين معه فصار يقاتل من يريد أن يشهد قتاله..» – ابن الأثير، الكامل في التاريخ

الأربعاء 31 يوليو: خرج الأهالي للقاء الفرنجة مع المدد القادم من عسكر صلاح الدين في هجوم وحشي يصرخون صراخا ألقى الرعب في قلوب الصقليين فترك اصحاب الصفوف الخلفية القتال وألقوا بأنفسهم في الماء واخذوا في السباحة الى المراكب الراسية قبالة الساحل، بينما نجح الأهالي في ابادة باقي عسكر الفرنجة واستطاعوا الوصول الى خيامهم بالرمل واشعال النار في معسكرهم بعدما غنموا ما به من مؤن وعتاد، ومن ناحية اخرى خرج بعض المقاتلين في سفن حتى وصلوا الى بعض سفن الفرنج وغنموها بمن فيها، فخسفوها وأتلفوها، واحتمى ثلاثمائة فارس من الصقليين بجزيرة فاروس بعد ان فشلوا في العودة لسفنهم، فهجم عليهم الأهالي وأخذوا خيولهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا واسروا البعض الأخر فلم ينج منهم أحدا..

King Louis IX of France lands in Egypt

الخميس 1 أغسطس: انتهت المعركة بانتصار اهل الأسكندرية على عسكر الصقليين الصليبيين انتصارا حاسما غنِم منهم الأهالي من السلاح والعتاد و الخيل على رواية ابن الأثير مالا يمتلك مثله، ومات منهم خلقا كثيرا وأسر منهم عددا كبيرا واندحر منهم من نجح منهم الوصول الى السفن الراسية في عرض البحر.

الجمعة 2 أغسطس: أقلعت سفن الفرنجة فجر هذا اليوم من قبالة السواحل المصرية قاصدة بلادها.. تلك كانت رواية ابن الأثير التي وردت في كتابه (الكامل في التاريخ) ولم نجد رواية مماثلة لها في لدى مؤرخي الفرنجة المعاصرين مع الأسف، وعلى الرغم من ان ابن الأثير كان معاصرا للحملة (ت 1233م) ألا انه لم يكن شاهد عيان لها وقد نقل ما روي عن بعد روايات الأهالي وما روى الجند والتي قد تدخل المبالغات بها احيانا، ولكن النتيجة النهائية والهجوم بالطبع لا شك فيه..

4.jpg

أما صلاح الدين فقد فرغ من أمر باقي المتأمرين بالقاهرة، فوصل الى الأسكندرية في فبراير 1177م (بعد عامين من الحملة) وقد شاهد بنفسه اسطولها المهدم واسوارها المتهالكة، فيأمر باعادة بناء الأسوار والأبراج واستحداث ابراج جديدة وترميم برج ضرغام المتهالك، كما أمر باصلاح دار الصناعة لأنتاج المزيد من سفن الأسطول، وزيادة اعداد صُنّاعها وزيادة رواتبهم واستيراد مزيد من الأخشاب من الشام، واسند ادارة الأمر لديوان جديد استحدثه يسمى ديوان الأسطول واسنده لأخيه العادل (الملك العادل فيما بعد)، واقطع له من الأراضي ما يكفي للأنفاق عليه. كما اتخذ السلطان اجراءات اخرى لحماية الثغر، فيذكر المقريزي في خططه عند ذكر عمود السواري أنه كان حوله اكثر من اربعمائة عمود مابين قائم ونائم (اطلالا من العهد الروماني) كسرها الأمير قراچا والي الأسكندرية ورماها بشاطئ البحر ليوقف نحر الموج في سور الأسكندرية الشمالي وليوعر على العدو سلوكه إذا اقدموا.. (!!) وقد زار الرحالة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي مدينة الأسكندرية في عام 1200م في عهد الملك العادل وشاهد الأعمدة المكسرة عند شاطئ البحر وانتقد مافعله قراچا فقال: «.. وان هذا من عبث الولدان ومن فعل من لا يفرق بين المصلحة والمفسدة».

وقد زار صلاح الدين وأولاده عالم الأسكندرية ومحدثها الأكبر أبا الطاهر أحمد بن محمد (الحافظ السلفي) وكان قد استقر بالإسكندرية في عهد الفاطميين يدرس ويحدث (يروي الأحاديث) وقد اصبحت له مدرسة وتلاميذ (للمزيد طالع هنا)، فاصطحب صلاح الدين ولداه الأفضل علي والعزيز عثمان وأخيه العادل وكبار رجال دولته وذهبوا للجلوس بين يديه وتلقي العلم عنه، فزاره اكثر من مرة، وقد فعل الشيء نفسه مع الفقيه ابو الطاهر بن عوف تلميذ الطرطوشي واستمعوا منه الى موطأ الأمام مالك كله حسب رواية العماد الأصفهاني كاتب انشاء صلاح الدين والذي كان مصاحباً للزيارة، فكانت خطوات لها اهميتها في نشر العلم الشرعي وتشجيع اهالي الثغر عليه والقضاء على المذهب الاسماعيلي الشيعي في البلاد. كما امر ببناء مدرسة جديدة ذكره المؤرخون دون الأشارة الى مكانه، وابطل صلاة الجمعة بجامع الجيوشي (العطارين) أكبر مساجد المدينة انذاك. يذكر الرحالة ابن جبير ان الأسكندرية أكثر البلاد المصرية مساجدا ويورد قولا يظهر فيه الملالغة بعض الشيء، ولكن أحد الرجالة المعاصرين له وهو محمد بن عبد الوهاب المعروف بابن خزيمة قد زار الأسكندرية عام 1164م واقام بها اربعون عاما فيروي انه «بالأسكندرية قرابة الثمانيمائة مسجد منها مائة وتسعون للخطبة ومائة وثمانون مدرسة لطلب العلم..». كما امر ببناء عدد من التكايا لأيواء ابناء السبيل من ابناء المغرب وافريقية (المقصود شمال افريقيا كله) والحجيج في طريقهم من وإلى المغرب، وأمر بإطعامهم بخبزتين يوميا وأوقف أوقافا كبيرة للأنفاق على ذلك واعتبره ابن جبير من مآثر السلطان صلاح الدين وافعاله الخيرة.

1o8fwux

في التدوينة القادمة نذكر المزيد من احوال الثغر الأقتصادية والتجارية في عهد صلاح الدين وخلفائه .. فتابعونا..

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ الأسكندرية في العصر الأسلامي، دار المعارف 2000
  • ابن الأثير، المختار من الكامل في التاريخ قصة صلاح الدين الأيوبي، دار التراث 1998
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

 


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares
  •  
    7
    Shares
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “الإسكندرية في عهد صلاح الدين – «هجمة صقلية»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *