الأسكندرية في بدايات الحكم العربي

تاريخ قبطي مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares

دخل القائد عمرو بن العاص بجنوده الى مصر غازيا عام 640م، واستولى على حصن بابليون وهزم الحامية البيزنطية المرابطة به في عدة معارك، وتحرك بجيشه شمالا في اتجاه الأسكندرية وضرب عليها حصارا لمدة أحد عشر شهرا، ثم قرر الروم الرحيل فوقّع الهدنة عنهم قيروس Cyrus بطريرك الروم الأرثوذوكس المعروف عند العرب بالمقوقس، ودخل العرب المدينة بعد رحيل الروم في ديسمبر عام 641م (للمزيد طالع هنا) تدوينة النهاردا عن احوال الأسكندرية اول الحكم العربي وازاي تغيرت معالمها وكتلتها السكنية بتغير الأزمان والحكام.. خليكو معانا..

في اواخر عام 645م استشعر الروم ضعف المدينة بعد عزل عمرو بن العاص وتولية عبد الله بن سعد بن ابي السرح، فغزوها بأسطول كبير ونجحوا في طرد الحامية العربية بها، فانتدب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه القائد عمرو بن العاص من جديد لطرد الغزاة فذهب اليهم على رأس جيش كبير وهزم الجيش البيزنطي خارج اسوار المدينة، ثم ضرب حصارا الى ان استطاعت فرقة من الجند نقب السور من الناحية الشرقية ودخلوا الى المدينة فخرج الروم منها وعادت مرة اخرى الى الحكم العربي.

ولم تكن الأسكندرية وقت ان دخلها العرب في ازدهارها القديم، بل كانت عوادي الزمن قد أتت على بعض معالمها، كما أتت الأحوال السياسية على بعض آخر، كالنزاع بين الروم والبطالمة، والنزاع بين الوثنيين والمسيحيين، والنزاع بين الملكانيين (الروم الارثوذوكس) واليعاقبة (الأقباط الأرثوذوكس)، واخيرا قتال العرب والروم حول اسوار المدينة وفي شوارعها.. كل هذا كان له أثره الواضح في تخريب الكثير من معالمها الهامة التي تميزت بها في العصر القديم وذكرناها سابقا (للمزيد طالع هنا)، فذهبت مكتبة الأسكندرية ودار الحكمة والعديد من القصور الفخمة التي تميزت بها، كما زال معبد القيصرون والسيرابيوم وهدم جانب كبير من اسوار المدينة الشرقية، ومع ذلك فقد بهرت العرب حين رأوا معالمها الباقية، عمود السواري ومسلات كليوباترا والحمامات والصهاريج والأعمدة الكثيرة بالمباني والكنائس وابراج اسوارها المنيعة، وتجولوا في طرقاتها المكسوة بالرخام والبازلت فقال القائد عمرو لأصحابه: «تلك منازل قد كفيناها..» أي جاهزة للسكن دون عناء البناء!.. ولكن أمير المؤمنين دعاه الا يتخذ عاصمة في مكان يحول الماء بينه وبينه، فتركها وذهب الى الفسطاط.

The+Market+Place,+Boulak+,+Cairo+1881

وقد انكمشت المدينة في اوائل عهد الحكم العربي عما كانت عليه في العصور القديمة، فقد رحل عنها اغلب سكانها الأوروبيين الى بلادهم، وجاء العرب فسكنوا الاماكن القريبة من الحي الوطني (قرية راقودة القديمة) بينما صار الحي الملكي خرابا، وكذا اجزاء كبيرة من الحي اليهودي، وخرب ايضا جنوب المدينة حول اطلال معبد السيرابيوم وعمود السواري، فاتخذها العرب اماكن لدفن موتاهم تخالف مدافن الاقباط والملكانيين في شرق المدينة. كما خربت المنطقة الشمالية بجزيرة فاروس وصارت مكانا لأقامة الجند المرابطين للحراسة بالفنار. وبالرغم من ذلك فإن هذا لم يؤثر على النسيج العمراني للمدينة، فقد ظل التجار الأوربيين يأتون ببضائعهم في رحلتهم الى الشرق أو رحلة العودة، فاستقر بها عدد من القبائل العربية المهتمة بالتجارة وبنوا لأنفسهم بيوتا تخالف الطراز البطلمي او البيزنطي الذي تميزت به المدينة قديما بمريوط وضواحي بعيدة عن المنطقة العمرانية، ويشير بعض المؤرخين ان للزبير بن العوام رضي الله عنه خططاً (منازل) بالأسكندرية دون تحديد المكان.

الأسكندرية في العصر الاسلامي

 

واستحدث بالمدينة عدد من المساجد لخدمة الحامية العربية والعرب المسلمين الذين سكنوا بالمدينة ولمن دخل في الدين الجديد من أهلها، وازداد عددهم وعددها مع الزمن. وقد انشئ بعض هذه المساجد انشاءا، وأقيم بعضها على اطلال كنائس أو معابد قديمة. وتشير اغلب مراجع العصر الأسلامي الأول الى عدد من المساجد لم تحدد موقع بعضها تحديدا قاطعا، نذكر منها:

  • مسجد سليمان بالقيسارية.
  • مسجد الخضر عليه السلام.
  • مسجد ذي القرنين، ويقال انه بني عند قبر الأسكندر وسمي باسمه.
  • مسجد الرحمة أو المسجد العُمري وبناه عمرو بن العاص في منطقة كوم الناضورة الحالية وهو الموضع الذي تقرر رُفع فيه السيف عن اهل الأسكندرية حين جاء اليها غازيا عام 646م.
  • مسجد مرسى عليه السلام ومكانه قرب الفنار بجزيرة فاروس.
  • مسجد الفنار وأقيم بالفنار نفسه لخدمة الجنود المرابطين به.

وهكذا صارت الأسكندرية ثغرا هاما من الثغور العربية، ورباطا كبيرا يرابط فيه الجند لأوقات طويلة متعاقبة. فقد خصص القائد عمرو بن العاص ربع جيشه (حوالي 3 الاف جندي) حامية للأسكندرية تقيم بالمدينة ستة اشهر ويستبدلهم بأخرون وهكذا، وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرسل كل عام من فاته الجهاد من اهل المدينة المنورة ليرابط في الأسكندرية (فذلكم الرباط – حديث شريف). وقد بلغت حامية الأسكندرية في عهد معاوية بن أبي سفيان حوالي 28 الف جندي منهم 10 الاف من اهل الشام و5 الاف من اهل المدينة المنورة. فالمسلمون الأوائل كانوا يعتبرون الأسكندرية رباطا مقدسا من توفي به مات على الشهادة وله أجر مجاهد في سبيل الله. وقد قسموا الحامية نفسها الى عرافات، كل عريف ينزل بقصر او برج من ابراج السور وكانت تسمى (المحارس) فإذا بدا في افق البحر شيء من سفن الأعداء اعطى المراقب الأشارة الى باقي الجند للأستعداد قبل وصول السفن للشاطئ لمنعها من الإنزال، وكان يقيم بالرمل (نيكوبوليس) خارج اسوار المدينة اكثر من اربعة الاف فارس للنجدة.

وكان الفنار في جزيرة فاروس أعلى هذه الأبراج وأهمها لكشفه البحر بدرجه عاليه، ويورد المقريزي في الخطط ان المسلمون في هذا العهد كانوا يحتفلون قرب الفنار كل عام احتفالا خاصا يعتبر بداية موسم الجهاد ايذانا برحيل المرابطين واستقبال مرابطين اخرين، كما احتفلوا بخميس العهد في مطلع فصل الربيع واطلقوا عليه «خميس العدس» لانتشار طهو العدس في ذلك اليوم، فيخرجون من منازلهم في ذلك اليوم للهو والتنزه حول الفنار فإذا مر اليوم عادوا الى منازلهم وينتشر المرابطون في الجزيرة.

منارة الأسكندرية

ومن معالم المدينة في ذلك الوقت ايضا هي المباني الحكومية كما تشير اغلب كتابات المؤرخين لوكنها للأسف لا تحدد الموقع بدقة، فمنها على سبيل المثال:

  • دار الأمارة لسكن الوالي او أمير الأسكندرية.
  • دار الصناعة وهي لصناعة السفن، وكانت بالميناء الغربي وقد استقدم عبد الله بن سعد بن ابي السرح فيها عمالا من الشام لخبرتهم في صناعة السفن، فصنعت اغلب السفن التي اشتركت في معركة ذات الصواري البحرية عام 655م. ولعلها اقيمت على اطلال دار الصناعة القديمة في العصر البطلمي او البيزنطي، وإن كان النويري يذكر انه كان بالأسكندرية بالقرن الخامس عشر الميلادي داران للصناعة، احداهما في الميناء الشرقي والأخر في الميناء الغربي.
  • دار الطراز وهي لصناعة النسيج، وقد كانت موجودة اصلا بالأسكندرية وطورها العرب واستقدموا لها عمالا شوام فادخلوا تعديلات جوهرية تناسب الأسلوب السائد في ذلك الوقت.

وهكذا فقد عرف الخلفاء الأوائل في الدولة العربية الأسلامية المكانة الممتازة لثغر الأسكندرية فأولوه عناية خاصة، حربية وعمرانية واقتصادية، فأوشك ان يعتبرها البعض امارة خاصة منفصلة عن ولاية مصر، لأنها بها كافة المقومات الخاصة لإستغناء حاكمها عن الحكومة المركزية بالفسطاط أو بدمشق او بغداد فيما بعد. وقد شاركت الأسكندرية بحكم مركزها مشاركة فعالة في معظم الأحداث السياسية التي شهدتها مصر في النزاع بين الأمويين والعباسيين، ثم النزاع بين امراء مصر في العصر العباسي الثاني. ويذكر الكندي في «الولاة والقضاة» وفود الأندلسيين الفارين من الحكم الربضي مطلع القرن التاسع الميلادي والذين اقاموا في الأسكندرية. وقد شهدت الأسكندرية اهتماما واسعا من الأمير أحمد بن طولون فاعاد بناء السور بعدما تهدم جزء كبير منه بفعل الزمن والأهمال حوالي ثلاثة قرون، ولكن احاط بالمنطقة السكنية فقط دون المنطقة الخربة فتقلصت مساحة المدينة عما سبق، وقد اورد الاثري الكبير محمود الفلكي باشا ذلك في خريطته القيمة التي رسمها للمدينة في ذلك العصر نهاية القرن التاسع عشر.

الاسكندرية في العصر الاسلامي

ونتكلم لاحقا عن المدينة في العصر الفاطمي والذي نخصص له تدوينة منفصلة لكثرة الأحداث به واهتمام الفاطميين الزائد بالأسكندرية.. فتابعونا..

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ الأسكندرية في العصر الأسلامي، دار المعارف 2000
  • المقريزي، الخطط ج1، مطبعة النيل 1324هـ
  • Les Levés de gravier d’Ortiéres à Alexandrie, 1686. Un bulletin de la fac. d’Arts Farouk 1ere Universite
  • فؤاد فرج، الأسكندرية، مطبعة المعارف 1942م
  • الكندي، الولاة والقضاة، مطبعة المعارف 1960
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares
  •  
    12
    Shares
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “الأسكندرية في بدايات الحكم العربي

شاركنا برأيك فيما قرأت!..