الأسكندرية في العصر البطلمي

مصر البطلمية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares

في عام 332 ق.م. اتجه الأسكندر الأكبر بجيشه غازيا نحو مصر، ودخل العاصمة ممفيس وزار معبد الأله «بتاح» وتوج ملكا على البلاد، ثم زار معبد امون في سيوه ونادوا به ابنا للأله «آمون»، على اساس ان الكهنة اعتبروه مخلصا لهم من نير الأحتلال الفارسي (للمزيد طالع هنا). وفي طريق العودة مر بقرية صغيرة قريبة من ساحل البحر يقطنها مجموعة من الصيادين ورعاة الأغنام اسمها قرية «راقودة» أو «رع كوتيس» أو «قرية الأله رع». فأعجبه موقعها وبدأ يفكر جديا في بناء مدينة كبيرة على ساحل البحر لتكون قريبة من بلاد اليونان وتحمل اسمه وتكون عاصمة للبلاد فأسس مدينة الأسكندرية. تدوينة اليوم عن نشأة الثغر في عصر الأسكندر وخلفاؤه.. خليكو معانا..

فنارة فاروس والجزيرة المقابلة للأسكندرية
فنارة فاروس والجزيرة المقابلة للأسكندرية

كان الأسكندر موفقا الى حد كبير في اختيار الموقع ذو المزايا المتعددة، فهو شريط من الأرض ضيق من المنتصف ممتد الجانبين يحده البحر المتوسط من الشمال وبحيرة مريوط من الجنوب وعلى مقربة من الشاطئ توجد جزيرة صخرية غير مأهولة اطلقوا عليها اسم جزيرة فاروس، يمثل حماية للمدينة كما يحمي المراكب الشراعية حين اقترابها من المدينة فتشكل ميناء طبيعي مستقر بعيداً عن التيارات المائية التي تنحر في شواطئ رشيد و دمياط و الفرما (بورسعيد). أما بحيرة مريوط من الجنوب فكانت تصل المدينة بالنيل عن طريق ترعة شيديا (المحمودية حاليا) وهكذا تستطيع المدينة ان تتصل بالبحر الأحمر وهو طريق التجارة الى اليمن والشرق الأقصى وهذا يؤهل المدينة لأن تكون مرفأ هام يستقبل البضائع القادمة من والى اوروبا وتنتقل منه الى حيث وجهتها المنشودة، وهذا ماكان الأسكندر يطمح الى تحقيقه بعد اتساع امبراطوريته في فارس والهند واوروبا واسيا الصغرى، فكانت عبقرية الموقع وكأنه يتوسط أمبراطورية الأسكندر الواسعة.

Alexander_laying_out_the_city_of_Alexandria_by_Andre_Castaigne_(1898-1899).jpg

وقد عهد الأسكندر الى مهندسه المعماري دينقراطيس بتخطيط المدينة فاختار لها النمط اليوناني المعروف، فقسمها الى شوارع مستقيمة تتقاطع في زوايا قائمة وقد ساعده على ذلك الشكل المستطيل الطبيعي، غير ان تخطيط المدينة ونشاتها لم تنتهي الا في اواسط العصر البطلمي أي ان الأسكندر لم يراها كمدينة بعد اكتمالها، وظلت ممفيس هي العاصمة، واليها جاء جثمان الأسكندر Soma وبها دفن، الى ان انتهى عمران مدينة الأسكندرية في وقت لاحق فتم نقل الجثمان اليه في نصب تذكاري بأهم موقع بها. وفي عصر الخديوي اسماعيل 1865م تم تكليف المهندس والباحث الأثري محمود باشا الفلكي برسم خريطة لمدينة الأسكندرية في العصر البطلمي والروماني وتعتبر الى اليوم من ادق وأوثق المراجع لدراسة طبوغرافية المدينة في عصرها القديم، حيث كانت معالم المدينة القديمة لاتزال باقية بشكل كبير في ذلك الوقت قبل اندثارها بفعل النمو العمراني السريع لمدينة الأسكندرية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (للمزيد طالع هنا).

BaeEg2a_208b.jpg
تخطيط الأسكندرية القديمة طبقا لمحمود باشا الفلكي

كانت الاسكندرية في العصر البطلمي ممتدة من الشرق للغرب على شكل مستطيل مابين بحيرة مريوط والبحر المتوسط، تنقسم الى شوارع متوازية تتقابل مع الشوارع الممتدة من الشمال الى الجنوب في زوايا قائمة ويتخلف عن تقاطعها مربعات صالحة لأقامة المباني والبيوت عليها، وكانت تمتد من على جانبي كل شارع سلسلة من الباكيات والعقود تحملها اعمدة رخامية وتماثيل لألهة اليونان لتزيين الشوارع، وكذا لحماية المارة من وهج الشمس. وأهم هذه الشوارع طبقا لتحقيقات الفلكي باشا كان الشارع الكانوبي (مكان شارع فؤاد حاليا) ويمتد من الشرق للغرب وعرضه 30 متر تقريبا، نهايته باب الشمس (الشرقي) وبدايته باب القمر (الغربي)، يتقاطع مع شارع السوما (النبي دانيال) الممتد من الشمال للجنوب، وكانت الشوارع مرصوفة بالبازلت الأسود والأصفر.

الأسكندرية في العصر البطلمي - منظر عام

وتنقسم المدينة الى خمسة احياء تتخذ الحروف الهجائية الأولى من اللغة اليونانية (ألفا – ڤيتا – جاما – دِلتا – إبسيلون) وكان اهمها الحي الملكي أو حي a في شرق المدينة (مكان جزء من حي الأزريطة ومحطة الرمل والحي اللاتيني) ويحده شارع السوما من الغرب وحي اليهود من الشرق، وطريق كانوب من الجنوب ورأس لوخياس (السلسلة) من الشمال. وكانت تقوم فيه القصور الملكية ودار الحكمة (المكتبة) ومعبد القيصرون وحدائق غناء كانت في مكان عالي تتسح لها الأشراف على الميناء والبحر. وفي هذا الحي اقيم قبر الأسكندر أو النصب التذكاري له في منطقة يقال لها بانيوم (كوم الدكة حاليا) وكان اكثر مواقع المدينة ارتفاعا وكان يصعد اليه بسلم حلزوني ومن يعتليه يمكنه مشاهدة المدينة من اولها لأخرها. والى الشرق من البانيوم يوجد دار المحكمة ويليها الجيمنازيوم وهو الملعب الكبير الذي يطل على طريق كانوب. والى الشرق يوجد حي d أو حي اليهود (جزء من حي الأزريطة الحالي) وبه مساكنهم ومقابرهم، فمنذ قديم الأزل شكلت الجالية اليهودية تكتلا كبيرا في اغلب مدن البحر المتوسط وكان لها اثرها الملحوظ في الحياة السياسية والأقتصادية. وفي الجنوب الشرقي كان هناك قرية راقودة القديمة وكانت تسمى الحي الوطني أو حي e (تقريبا منطقة عمود السواري والبياصة) وفيه يسكن اهل البلد، وفي هذا الحي كان يوجد معبد السيرابيوم وكان ذو معمار اسطوري، فيذكر المؤرخ استرابون انه كان على ربوة عاليه يصعد اليه عن طريق 100 درجة سلم، تحيط به ابهاء واسعه وحدائق جميلة وتزينها اعمدة ضخمة وتماثيل جميلة. انشاه البطالمة لعبادة اله جديد يعتبر خليطا ما بين الثقافة اليونانية والديانة المصرية القديمة فنتج الألة سيرابيس، وبجوار المعبد يوجد معبد اخر صغير لعبادة الألة أنوبيس وهو ايضا خليط مصري يوناني يهدف لدمج الثقافتين معا.

معبد السيرابيوم جنوب الأسكندرية في العصر البطلمي الروماني
معبد السيرابيوم جنوب الأسكندرية في العصر البطلمي الروماني

ويحيط بالمدينة سور ضخم ذو ابراج وحصون كثيرة وأبواب، وقد بدأ بناء الأسوار من عهد الأسكندر ثم اتمها البطالمة وزاد فيها وفي تحصينها الرومان بعد ذلك. وهذا السور هو الذي كان يحدد المدينة المأهولة وكان يبدأ غربا من مهاية طريق كانوب ويمتد محازيا لساحل البحر الى رأس لوخياس ثم ينحدر جنوبا الى ان يلاقي ترعة شيديا ثم يسير محاذيا لها الى ان يتصل بالنقطة التي بدأ منها في شكل مستطيل تقريبا، كشف الفلكي باشا عن اجزاء عديدة منه فوجد عرض اساساته حوالي خمسة امتار وقد أخذت احجاره من محاجر المكس (للمزيد طالع هنا). أما خارج السور شرقا وغربا فكانت رمال ممتدة غير مأهولة بالسكان تتخللها اشجار ونخيل، وفي عصور بطلمية متاخرة خرجت المقابر خارج نطاق المدينة (عند نهاية حي الشاطبي الحالي وبداية كامب شيزار). وقد عثر الفلكي باشا الى بقايا ميدان كبير لسباق الخيل في مكان نادي سبورتنج الحالي ومقبرة بها رفات بعض المتطوعة الأجانب في الجيش البطلمي في حي الأبراهيمية الحالي، ثم تتصل الرمال في طريق يمتد الى مدينة كانوب (ابو قير الحالية) وكانت تقع عند مصب الفرع الكانوبي للنيل.

Cornelius_de_Bruyn,_view_of_the_great_harbour_from_a_little_behind_the_shoreline,_1681

وفي العصر البطلمي، تم اضافة رصيف حجري طويل يصل الشاطئ بجزيرة فاروس، كان طوله سبعة وحدات يونانية (ستاد) ولذلك اطلقوا عليه اسم «هيبتا ستاد» وكان عرضه حوالي 30 متر وقد ساهم البحر في زيادته عبر الزمن عن طريق الطمي والأضافات التي تراكمت عبر الزمن. كانت بدايته عند كوم الناضورة في الوقت الحالي ونهايته عند شارع ابو وردة (قرب مصلحة المواني والمنائر) وقد ساعد الرصيف على خلق مينائين طبيعيين بدلا من ميناء واحد، تم استخدامهما طوال العصر البطلمي والروماني وان كان التميز للشرقي في العصر البطلمي وللغربي في العصر الروماني والعربي فيما بعد. وعلى رأس لوخياس (السلسلة) كانت تقام القصور الملكية ومعبد الأله بوسيدون (اله البحر) فقد كانت في عصورها القديمة اكبر واعرض من الوقت الحالي. وعلى جزيرة فاروس تم انشاء فنار عالي كان ولفترة طويلة معلم من معالم المدينة الى قرب نهاية العصر المملوكي تقريبا، كان مكونا من ثلاثة ادوار الأول مربع والثاني مثمن والثالث مستدير وارتفاعها كاملا حوالي 120 متر، وكان يحيط بالقمة ثمانية اعمدة تحمل قبة ضخمة مغطاه بشكل مخروطي مدبب وفي داخلها مصباح كبير يرسل اشعته عبر مرآه مقعرة كبيرة الى عرض البحر ليهدي السفن الوافدة الى الميناء، وكان يعلو هذه القبة تمثالا من البرونز للأله بوسيدون ارتفاعه حوالي 7 امتار ظل قائما الى بداية العصر المسيحي. ورَدَ ذكرها في كتابات العديد من المؤرخين والرحالة كالأدريسي وابن بطوطة وابن الفقية وابن حوقل والمقدسي وابو الحجاج يوسف المالكي الأندلسي والذي ترك ادق وصف للفنار في القرن السادس الهجري.

منارة الأسكندرية كما وصفها الرحالة

وكانت بحيرة مريوط تحد المدينة من الجنوب وهي بخيرة داخلية عذبة المياة (قديما وليس حاليا) تتصل بالفرع الكانوبي عن طريق ترعة شيديا والتي كانت تصب في البحر عند الميناء الغربي، وكان يخرج منها فرع يصل للمدينة على وجه التقريب في مجرى ترعة الفرخة (شارع قناة السويس) يخترق المدينة ويصب في الميناء الشرقي، ظل يعمل حتى العصور الوسطى تقريبا (الفاطمية او الأيوبية). وتشير المراجع الى وجود مواسير فخارية (قنوات) تنهل من الترعة الى صهاريج اسفل البيوت، وقد ذكر علماء الحملة الفرنسية وجود حوالي 300 صهريج بالمدينة في عام 1800م تقريبا، بينما كشف الفلكي باشا وجود حوالي 700 صهريج تم انشاؤهم في عصور مختلفة..

Ancient_Alexandria_(1878)_-_TIMEA

في تدوينات لاحقة ان شاء الله، نتحدث عن نمو تخطيط المدينة خلال العصر الروماني، فتابعونا..

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ الأسكندرية في العصر الأسلامي، دار المعارف 2000
  • المقريزي، الخطط ج1، مطبعة النيل 1324هـ
  • علي مبارك باشا، الخطط التوفيقية ج7، المطابع الأميرية 1936م
  • فؤاد فرج، الأسكندرية، مطبعة المعارف 1942م

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares
  •  
    17
    Shares
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “الأسكندرية في العصر البطلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *