الأسباب التي دفعت الأتراك العثمانيين للاتجاه للتوسع ناحية الشرق

حكايات من خارج مصر
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

منذ نشأة وقيام الدولة العثمانية الوليدة مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، كانت في صورة دويلة صغيرة تابعة لسلطنة سلاجقة الروم وأميرها علاء الدولة قيقباد، والذي اعتبرهم حماةً للحدود ومنحهم ألقاب “المرابطين / المجاهدين” ليمنحهم صبغة دينية تساعدهم على البقاء، ومنذ ذلك الوقت عمل سلاطين الدولة الوليدة على توسيع رقعتها ناحية الغرب، ناحية الدولة البيزنطية المحتضرة، واعتبروا حربهم ضدها جهادا في سبيل الله وإعلاءًا لكلمة الدين ونشراً للإسلام في بلاد غريبة. ولكن منذ عهد السلطان سليم الاول بن بايزيد “ياڤوز” (1470 – 1520م) لاحظنا توجه الزحف والقتال نحو الشرق حيث الشعوب الإسلامية التي يحرم دينيا قتالها، وقد هاجمهم العثمانيون بوحشية وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ومن ثم تسقط صفة “الجهاد” عن تلك الحروب او التوسعات!.. ويحاول بعض “المدافعين عن الدولة العثمانية” اصطناع أسباب عديدة لذلك، مثل توحيد الشعوب الإسلامية تحت حكم واحد في مواجهة الأعداء، كالصفويين الشيعة من الشرق، والبرتغاليين حين هاجموا البحر الأحمر من الجنوب، والاسبان الذين استولوا على الاندلس ويريدون التوسع في الشمال الأفريقي، بعد ضعف المماليك في مصر وعدم قدرتهم على مواجهة البرتغاليين وغيرها.. كلها أسباب كان التاريخ كفيلا بتفنيدها، فما السبب الحقيقي الذي دفع العثمانيون الى ذلك؟؟.. تعالوا نتعرف عليها بالتفصيل..

رسم لموقعة مرج دابق من اصل تركي
رسم تخيلي لموقعة (مرج دابق) 1516م من اصل عثماني

التوسع الصفوي في فارس وتركمانيا

وعلى الرغم من ادعائهم بانتسابهم الى آل البيت أي أصول عربية، ولكن يجمع اغلب المؤرخين ان الصفويين ينتسبون في الأصل على عشائر تركية غادرت جنوب بحر قزوين جنوبا نحو أراضي الأكراد قبل ان تتوحد وتؤسس كيانا خاصا بها بالتوازي مع قيام “أبناء عمومتهم” من الأتراك العثمانيين بتأسيس دولتهم في غرب اسيا الصغرى! ولكن الصفويين اتجهوا شرقا نحو إيران، حيث اتخذوا من الفارسية لغة وثقافة، ومن التشيع دينا، بل وأرغموا شعوبهم على اتباعه ليعطوا لأنفسهم الحق في التوسع بين الشعوب الإسلامية بحجة نشر العقيدة الاثنا عشرية، ومنذ ذلك التاريخ تحولت إيران الى المذهب الشيعي الاثنا عشري المنتشر هناك الى اليوم.

وحينما أراد الصفويون التوسع جهة الغرب نحو المنطقة الواقعة بين جنوب بحر قزوين والبحر الأسود وكانت تسكنها عشائر من القزلباش Kızılbaş او أصحاب الرؤوس ( أو العمائم) الحمراء، وهي عشائر تركمانية من الشيعة استمالهم الصفويون وجعلوا منهم فرق عديدة في جيشهم جنبا الى جنب مع العجم (الفرس الإيرانيين)، وبذلك صار الصفويون يطرقون أبواب العثمانيين الشرقية بعد ان أرسلوا دعاة للمذهب الشيعي الاثنا عشري بين العامة في آسيا الصغرى، وحين تتشيع الرعية او بعضها يعطي الصفويون لأنفسهم الحق في ضم تلك الأراضي الى دولتهم سلماً أو حرباً. وانتبه العثمانيين الى تلك القوة الناعمة التي يتسلل بها الصفويون إليهم، لا سيما سليم الأول حينما كان أميراً في طرابزون في ولاية والده السلطان بايزيد الثاني بن محمد الفاتح (1447 – 1512م)، فكان متابعا لنشاطهم بحكم قرابة تلك الولاية من مركز نشاط الصفويين غرب الاناضول. ولذلك عندما تولى السلطنة وضع نصب عينيه القضاء على ذلك التهديد لحماية دولته.

وبدأ السلطان سليم من عنده حين احصى مواطنيه الشيعة من القزلباش والقاطنين شرق الأناضول (قيل انهم كانوا 30 الفا) وقتلهم جميعا في مذبحة رهيبة عام 1513م ليوقف بذلك الزحف الناعم للصفويين. وحينما انتصر سليم على إسماعيل الصفوي وجيوشه في جالديران عام 1514م ووصلت جيوشه الى تبريز عاصمة الدولة الصفوية، وغنموا كنوز قصورهم وحملوها الى الآستانة، ومع ذلك لم يسقطوا دولتهم او يحتلوا أراضيهم ويقضون على خطرهم على العالم الإسلامي، فلو أراد سليم التوسع حقا لضم أراضي الصفويين الى بلاده كما فعل مع المماليك، ولكنه اكتفى بما غنم من كنوز الصفوية وما نهبه جنوده من أعالي تبريز، وأعاد سيطرته على أراضي شرق الأناضول التي كان قد تشيع أهلها، وأعاد رسم حدودا جديدة لدولته مع الصفويين بشكل لا يعودوا معه من جديد الى تهديدهم مرة أخرى. وبالفعل حينما عاد الصفويون الى مُلكهم بعد انصراف القوات العثمانية لم يقتربوا من الحدود الغربية مرة ثانية.

السيطرة على طرق التجارة العالمية

وفي زحف السلطان سليم الأول نحو الشرق لقتال الصفويين، لمس مدى ضعف وتهلهل دولة المماليك في مصر والشام وكذلك حلفائهم جنوب الأناضول (امارات ذو القادر وبنو رمضان)، والذين كانوا وقتها يسيطرون على طريق التجارة العالمي المار من انطاكية وحلب وطرابلس وعكا وحيفا من مدن الشام الى بغداد والبصرة من مدن العراق ومنها للخليج العربي (الفارسي) حيث يعرف طريقه الى بلاد المشرق، او المار من مصر من مواني الإسكندرية ودمياط الى السويس ومنها للبحر الأحمر حيث يسلك طريقه الى بلاد المشرق أيضا. من أجل السيطرة على تلك الطرق والموانئ اشتعلت الحروب الصليبية قرابة قرنين من الزمان، والتي اتخذت عباءة دينية للسيطرة على قبر المسيح وهيكله، ومن اجل ذلك حاربهم الأيوبيون ومن بعدهم المماليك وأيضا منحوا لحروبهم الشكل الديني اللازم لحماية للقدس الشريف. لأن في السيطرة على تلك الطرق دخلا وفيرا ينعش خزانة أي دولة، ويجعل حركة التجارة رائجة بين الناس فيجري مالا وفيرا بين أيديهم ويمنح شبابهم فرصا للعمل فيغنيهم عن الثورات على الحكومات والسلاطين حينما يزيدون في الضرائب، وهذا بدوره يقوي الدولة ويمنحها بأسا واستمرارية، ولذلك دامت دولة المماليك في مصر والشام قرابة قرنين ونصف من الزمان. ولذلك أيضا وجه سليم زحفه جنوبا للقضاء على المماليك والسيطرة على تلك المناطق عوضا عنهم، وليضم أيضا الى بلاده مزيدا من الأراضي ولسلطته شكلا دينيا بالسيطرة على القدس الشريف والحرمين الشريفين في بلاد الحجاز، بل و”خلافه المسلمين” التي احتكرها العباسيون (القرشيون) قرابة الثمانية قرون، وكان له بالفعل ما أراد.

موقف أوروبا من توسعات العثمانيين

حينما بدأ العثمانيون في التوسعات نحو أوروبا أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أوروبا قد أغلقت تماما باب الصراع في أراضي الشرق بشكل شبه نهائي، الى جانب قيام عديد من الحروب الداخلية بين الممالك الأوروبية استمرت لأكثر من مائة عام. أيضا لمس الأوربيون مدى وحشية آل عثمان في القتال، فحينما سيطر العثمانيون اليونان وبلغاريا والمجر ورومانيا، قتلوا منهم خلقا كثيرا بشكل وحشي، زاد من نفور الأوربيين من الإسلام وزيادة كراهيتهم لكل ما هو مسلم بشكل عام. وبعد قرونٍ عديدة قضاها العثمانيون في شرق أوروبا هل دخل أهلها في الإسلام اليوم؟ هل انتشر الإسلام في اليونان وصربيا وبلغاريا ورومانيا والمجر وغيرها؟ أم خلفوا شعوبا تبغض الإسلام وتعمل على الحد من انتشاره بشكل او بآخر؟ باستثناء ألبانيا والتي تكونت من هجرة العائلات التركية لاستيطان أراضي مقدونيا، ومع مرور الوقت نشأت اجيالا يعرفون أصلهم التركي المسلم ولكن لا يدينون بالولاء للعثمانيين، منهم محمد علي باشا والي مصر فيما بعد.

محمد علي باشا يقابل قناصل الدول في رأس التين

ولذلك حينما سيطر العثمانيون على ممرات وطرق التجارة العالمية في مصر والشام والعراق، لم يلجأ الأوروبيون الى محاربتهم ولكن الى مهادنتهم مع اتباع سياسة طويلة المدى لأضعاف الدولة العثمانية ومن ثم القضاء عليهم، ولكن في الوقت نفسه نشأت ممالك أخرى في أوروبا مثل روسيا القيصرية، وصارت تهدد بعض الدول الكبرى كإنجلترا وفرنسا وألمانيا، لذلك تغيرت سياسة تلك الدول في التعامل مع العثمانيين الى المحافظة على ذلك الكيان محصورا داخل المنطقة التي يسيطر عليها فقط، فيظهر قويا في مواجهة الروس ويمنعهم من التوسع في أوروبا وآسيا، خاصة انه يسيطر على مدخل البحر الأسود وهو المنفذ البحري الوحيد لروسيا ومتنفسها نحو العالم. وفي نفس الوقت يكون ضعيفا في مواجهة الأوروبيين ولا يتوسع ليضم مزيدا من أراضيهم اليه، وبالفعل توقف الزحف العثماني نحو أوروبا بعد اخفاقهم تحت أسوار فيينا أكثر من مرة. وقد ناقشنا هذا الأمر بتفصيل أكثر حينما تكلمنا عن المسألة الشرقية.

احتفال عثماني بحضور السلطان – القرن17 م

خلاصة الأمر ان اتجاه العثمانيين نحو الشرق كان لأسباب توسعية استعمارية بحتة!.. ليس فيها من الدين في شيء، بدليل ان البلاد التي خضعت للعثمانيين قرابة الثلاثة قرون لم يعنوا بها، ولم يزيدوا في معمارها كما كانوا يفعلون في بلاد الاناضول أدرنه وبورصة والآستانة وغيرها..، واليوم انظر الى القاهرة والإسكندرية وبغداد ودمشق والقدس وطرابلس ومكة والمدينة وغيرها من البلاد التي خضعت للعثمانيين قرونا واحصى ما بها من الاثار العثمانية وانت تعرف الحقيقة كاملة! حتى حلب التي يتغنى بها المدافعون عن العثمانيين ويقولون انها ازدهرت في عهد السلطان سليمان القانوني (1494 – 1566م) ذلك لأنها كانت مزدهرة بالفعل من قبل ذلك كمحطة كبرى في طريق التجارة العالمي، فسكنها عديد من التجار الأتراك ورفعوا من شأنها، مثلما فعلوا مع مدينة رشيد بمصر، والتي سكنها الأتراك عوضا عن الإسكندرية بعد ان جفت ترعتها التي تربطها بالنيل وصارت عملية النقل منها واليها شاقة، فهجروها الى رشيد لارتباطها عن طريق فرع النيل بالقاهرة ومنها للبحر الأمر طوال العام وليس في أيام الفيضان فحسب كما كانت الاسكندرية. ولو اعتنى العثمانيون حقا بالبلاد التي ملكوها، لأمروا بتطهير ترعة الأسكندرية لازدهار ورواج التجارة كما فعل سلاطين المماليك من قبل، وكما فعل محمد علي باشا من بعد، ولكن حقا الأمر لا يعنيهم في شيء!!

نتمنى ان نكون عرضنا وجهة النظر بشكل مفصل، نرحب بأي تساؤلات أو مناقشات او استفسارات من خلال التعليقات، او من خلال حساباتنا على فيسبوك و تويتر، تابعونا وتفاعلوا مع منشوراتنا لنزيد من رقعة التواصل المجتمعية وتعم الفائدة.. شكرا لكم.


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك عما قرأت!..