افراح الأنجال.. مظاهر الترف والأبهة في ولاية اسماعيل الكبير

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 24
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    26
    Shares

كان الخديوي اسماعيل والي مصر في اواسط القرن التاسع عشر كما اسلفنا القول، مصاب بداء الفخفخة وحب الظهور والإسراف بلا حساب. وهو داء عظيم لو تمكن من اي فرد لقضى عليه ودفعه الى بيع ثيابه واملاكه، تماما كمدمن القمار!.. وبرغم اعماله المجيدة التي سجلها التاريخ في عهده كعاهل مستنير حكم مصر، فإن تصرفاته الأخرى أكلت حسناته كما أكلت مُلكه، وانتهى به الأمر طريدا في اسطنبول مثل اي مدمن قمار حين تنتهى امواله التي بددها في متعة زائلة.. خليكو معانا!!..

حقا كان الخديوي يستدين من “طوب الأرض”، والذين هم من صعاليك ومرابين اوربيين حين أمسكت البنوك عن اقراضه لتراكم الديون عليه، وعجزة عن سداد اقساطها. فكان الخديوي يقيم حفلة كبيرة، يدعو اليها كثير من اولئك المرابين، يبهر ضيوفه ويخطف انظارهم ويخدعهم بثرائه الكاذب، وهم يخدعونه بتصديق تلك الكذبه وهو أعلم الناس بموقفه المالي وافلاسه وتراكم الديون عليه. وفي نفس الوقت اعلم بكثرة ثروات البلاد التي يتحكم فيها بلا منازع ولا رقيب!.. فكان يقبل بفوائد تزيد عن 20% والتي تعتبر باهظة، اضافة الى عمولات سمسرة ممثالة لهذا الرقم تقريبا، فيقبض في يديه مايقل عن نصف المبلغ المتفق عليه مقابل ان يحصل على اموال. وكان يرهن من ثروات البلاد مايعطي الحق للاجانب بوضع ايديهم عليها بل وامتلاكها!.. مثل ملاحات مصر (بحيرات في شمال مصر ووادي النطرون) وايرادات السكك الحديدية في القطر المصري بالكامل، ومحصول القطن العام لعشر سنوات قادمة (كان يبيع محصول لم تتم زراعته بعد)!..

دين “الرزنامة” من أجل افراح الأنجال

وكان من ضمن ما أقام الخديوي من احتفالات عظيمة، ما يعرف بـ”افراح الأنجال“، وهي حفلات زفاف ابنائه والتي شهدت بذخا واسرافا غير معقول، وكانت اشد خطرا ووبالا على المسار الأقتصادي المصري الوليد. وذلك لأنها اقيمت في وقت انكشفت فيه الخزانة العامة مطلع سبعينات القرن العشرين (تحديدا 1873م) وكانت البنوك الأوروبية قد أمسكت عن اقراض الخديوي لحين سداده لأقساط الديون المتأخرة، وكثر الكلام حول رغبة بنوك فرنسا وسويسرا في مراجعة مالية مصر لتأكدها من قدرتها على سداد الديون، وتلميح انجلترا الى رغبتها في شراء جزء من اسهم مصر (حصتها) في شركة القنال (قناة السويس). كل هذا تجاهله الخديوي اسماعيل وألقى به خلف ظهره!.. حين أمر برصد ميزانية مفتوحة بلغت اكثر من 3 مليون جنية لإقامة افراح انجاله الأمير توفيق (ولي عهده.. الخديوي فيما بعد) والأمير حسن والأمير حسين (كامل سلطان مصر فيما بعد) والأميرة فاطمة (المعروفة بدورها العظيم في بناء الجامعة الأهلية)، وأراد ان يجعل من هذا الإحتفال حدثا اسطوريا يتحاكى به الناس داخل وخارج مصر!.. فأشار عليه اسماعيل باشا المفتش بأن يُطرح للأهالي سندات ماليه في مصلحة “الرزنامة”، مقابل فوائد قدرها 9% وهي أعلى من فوائد بنوك اوروبا انذاك والتي كانت تبلغ 7.5%، وكان متوقع جمع حوالي 5.5 مليون جنيه، ولكن جمعت السندات حوالي 3.3 مليون جنيه، دخلت الخزان العامة منها بالفعل حوالي 1.9 مليون فقط!.. والباقي عمولات وسمسرة ومكافأت للموظفين وخلافه، ولكن المبلغ بالكامل انضم للدين العام وهوما يعرف بـ“دين الرزنامة”. وأكمل اسماعيل باشا المفتش المبلغ المطلوب بمصادرة اموال بيت المال وحسابات اليتامى والقصر، وصناديق النذور بعديد من مساجد واوقاف مصر المنتشرة في طول البلاد وعرضها..

احتفال في قصر الباشا

وكانت الإحتفالات استمرت اربعين يوما متتالية، بشكل ذكر كثير من المؤرخين ما اقامه الأمير خمارويه بن احمد بن طولون لزفاف ابنته الأمير قطر الندى على الخليفة العباسي، وتحولت شوارع القاهرة جميعا الى قاعة احتفالات كبيرة تسطع فيها الأنوار وتصدح فيها الموسيقى وتنحر فيها الذبائح بلا عدد وتفرق لحومها على الجميع بلا حساب، حتى اختلطت ليالي القاهرة بنهارها فلم يعد احد يفرق بين الصبح والمساء!.. بينما تحولت القصور الخديوية في القبة وعابدين والجزيرة وقصر النيل ورأس التين بالأسكندرية الى مراقص صاخبة، يغنى فيها اشهر مطربي مصر أنذاك ألمظ وعبده الحامولي، وحانات عامرة تقدم فيها اطياب الشراب والملذات، ومآدب لا وصف لها تقدم فيها انواع من الأطعمة لم يعهد المصريون رؤيتها من قبل!.. كل هذا لعشرات الألاف من المدعوين الذين جاء اغلبهم بلا دعوة من اوروبا وتركيا ليغترف من نهر الملذات الذي انفجر في مصر.

وخارج القصور، اقيم على هامش الأحتفالات عديد من سباق الخيول العربية الأصيلة في صحراء الريدانية (العباسية حاليا)، اشترك فيها كثير من خيول افراد الأسرة المالكة، اضافة الى كثير من اسر الأعيان والباشوات، الى جانب امراء من البيت العثماني وولي عهد النمسا وامراء فرنسا وغيرهم. وكان من ضمن المدعوين في احتفالا القصور عدد من مشايخ الأزهر الشريف، قال احدهم في مذكراته انه كان يعلم ان الرقص من شيم “الغوازي” و”العوالم”، ولكن فكرته تغيرت حين شاهد “أفندينا ولي النعم” يرقص برشاقة وسط مدعويه من رجال الدولة العظام وامراء اوروبا والأستانة!.. ومشاهد عديدة يسهب في وصفها د. عمرو طلعت في مقال مفصل.

“شوار” الأميرة فاطمة اسماعيل

وقد أفاض المؤرخون في وصف تلك الإحتفالات بأوصاف اختلطت بها الحقيقة بالخيال، حيث صارت حكايات ألف ليلة وليلة حقيقة واقعة!.. كما يصف المؤرخ الكبير جمال بدوي في كتابه (مصر من نافذة التاريخ) زفة “شوار” الأميرة فاطمة اسماعيل حين خرجت من قصر القلعة الى مقر اقامتها، فتذكر اهل القاهرة شوار الأميرة أمينة هانم حفيدة محمد علي باشا والذي كان قبل سنوات غير بعيدة من هذا الأحتفال، حيث ركبت الأميرة في عربة مكشوفة، واصطف سكان القاهرة على الصفين تحجزهم الجنود في موكب طويل، تحرسها الفرسان بزي عربي بديع، وآلاي (كتيبة) من الفرسان ترتدي ملابس بيضاء كالثلج يحملون سيوفا لامعة في ضوء الشمس، وتتقدمهم جوقة (فرقة) موسيقية من امهر العازفين بالألات النحاسية والأوربيين بالالات الوترية الغربية. وكانت الهدايا معروضة في أسبته من الخوص المحاط بالحرير الأبيض ومكشوفه فوق عربات مكسوة بالحرير والقصب، على وسائد من القطيفة والمرصعة بالماس!.. ويتبعهم على الخيل المسومة ضباط بملابسهم الرسمية شاهرين سيوفهم اللامعه وممنطقين بالبنادق على اكتافهم. وكانت الهدايا عبارة عن مجوهرات سنية (ملكية) وقلائد فريدة من الماس البرلنت، ومناطق من الذهب الخالص، واقمشة مطرزة باللؤلؤ عديمة المثال (سنييه) وقطع من الزمرد في حجم بيض الدجاج، وملابس اخرى عليها حرف (F) كناية عن الأميرة فاطمة اسماعيل ومطرزة بالذهب واللآلئ والأحجار الكريمة، وانية من الفضة الخالصة وكؤوس من الذهب بكميات كبيرة.

ومن هدايا الخديوي لأبنه وولي عهده الأمير توفيق سرير بأعمدة من الفضة الخالصة المدهونة بماء الذهب، مزين بستائر من حرير هندي ومزين بالقصب والاحجار الكريمة النادرة، مثل الذي اهداه للأمبراطورة أوجيني في حفل افتتاح القناة عام 1869 و ارسله معها الى بلادها.

دار الأوبرا المصرية

اسماعيل ونزعته الوطنية المحمودة..

ويروي المؤرخ الكبير الدكتور يونان لبيب رزق عن افراح الأنجال قصة طريفة، ان الخديوي طلب من ناظر الخاصة الخديوية تجهيز القصور الخاصة بالأنجال وشاء البياضات والمفروشات من افخر الأنواع، فأقام الناظر مناقصة عالمية اشترك فيها محلات من باريس ولندن وفيينا، لتوريد كل مايلزم من فرش ودانتيلا وبياضات واقمشة ولجهاز العرائس، ووقع اختياره على احد المحلات الفرنسية، ولما سأله الخديوي عن ذلك فقال انه يقدم ارخص الأسعار. فسأله ألم يتقدم لمناقصتك محلات للتويد من مصر؟.. فقال انه بالفعل تقدم محل اسمه “حسن مدكور” ولكنه عرض اسعار تزيد عن مثيله الفرنسي، فابتسم الخديوي وامره ان يشتري كل الشوار منه وبالسعر الذي يعرضه وقال جملته الشهيرة:

«إذا كانت المتاجر المصرية لا تنتفع من أفراح أولادي، فَمِنْ أفراح مَنْ تستفيد؟»

وكانت شهرة عالية لمحلات مدكور وكان مكانها في ميدان العتبة بجوار البوستة الخديوية (البريد المصري حاليا) واحتكرت بعد ذلك توريد لوازم الحضرة الخديوية لزمن طويل، فصارت مقصدا للاغنياء الذين يتفاخرون بمقتنياتهم التي تشبه مقتنيات الخديوي. ايضا يوجد الى الأن شارع كبير متفرع من شارع القصر العيني يسمى “شارع أفراح الأنجال”، ويقال انه مقر للفرق الموسيقية التي كانت تعزف باستمرار لمدة اربعين يوما وليلة، ويستمع اليها ويستمتعون بنغماتها اغلب سكان القاهرة.

ولم يكن احد يعلم من سكان المحروسة ممن شاهدوا وحضروا افراح الأنجال من اين أتى حاكمهم العظيم بتلك الأموال، وبالطبع لم يكن أحد يجرؤ على ان يطرح ذلك السؤال!.. فإسماعيل الكبير على الرغم من انه جاهد كثيرا لتكون القاهرة قطعة من باريس، الا انه كان حاكما شرقيا لا يُسأل أبدا عما يفعل!.. وتمضي اعوام قلائل، ويقف اسماعيل كسيرا أمام اصحاب الديون الأجنبية الذين جاءوا يطالبونه بسداد اقساط ديونهم وفوائدها التي بلغت اضعاف الدين الأصلي، وأخذوا بخناقه من حيث لا يستطيع الهرب فكانت نهايته الحزينة، ولنا في ذلك تدوينة لاحقة.. فتابعونا!

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج2، الهيئة العامة للكتاب 2001
  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • يونان لبيب رزق، العيب في ذات افندينا، دار الشروق 2007

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 24
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    26
    Shares
  •  
    26
    Shares
  • 24
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..