اسماعيل باشا على عرش مصر، وحكاية لازم تتحكي!..

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 52
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    54
    Shares

لما اشتدت وطأة المرض على الوالي محمد سعيد باشا، نصحة اطباء فرنسا ان يرحل الى بلده ليقضي بها ايامه الأخيرة بدلا من البهدلة في البلاد الغريبة، واستجاب لتلك النصيحة وعاد الى قصر رأس التين ينتظر ملك الموت!.. وكان الأمير اسماعيل، وريثه على العرش، اشد منه استعجالا لنهايته، ليس ليستريح عمه سعيد باشا من المرض وألامه المبرحه، ولكن ليقفز اسماعيل الشاب على عرش السلطة، ويصبح أول حاكم للمحروسة من الجيل الثاني (احفاد محمد علي باشا).. فكيف استقبل الأمير اسماعيل ذلك “النبأ السعيد”؟.. دا موضوع تدوينة النهاردا خليكو معانا..

شمس غاربة، واخرى مشرقة

والحكاية كما يرويها المؤرخ الكبير جمال بدوي في كتابه (مصر من نافذة التاريخ) يقول، بعد ان استسلم الوالي محمد سعيد لفراش المرض، بدأت الأنظار تنصرف عن الشمس الغائبة في قصر رأس التين، وتتجه نحو الشمس المشرقة من قلعة الجبل بالقاهرة (مقر اقامة الأمير اسماعيل) فإتجه محترفي السلطة والوصوليين والأنتهازيين (وما أكثرهم!) يترقبون ذلك النجم الصاعد ترجو لنفسها مكانا جديدا في دولته.

وكان من عادة ذلك الزمان ان يتعطف الوالي الجديد برتبة البكوية على من يحمل له نبأ الولايه، او رتبة الباشوية ان كان يحمل لقب “بك”، فضلا عن صرة من النقود الذهبية يلقيها اليه مع صك اللقب الجديد. وكان رئيس مكتب التلغراف في القاهرة اسمه بِسّي بك يتطلع الى لقب باشا، فجلس في مكتبه مرابطا ينتظر الخبر القادم من الأسكندرية، ليحمله الى الوالي الجديد، فيكون اول من يزف اليه “النبأ السعيد”. وظل على اتصال برئيس مكتب الأسكندرية اياما طوال، لا يذق طعم النوم الا سويعات قليلة طوال اليوم، حتى وقع على كرسي مكتبه من الإعياء. فاستدعى معاونه وكان رجلا خبيثا، وامره ان يحل محله على جهاز الاستقبال الى ان يقضي بعض الوقت للراحة في غرفة النوم الملحقة بمكتبه، ولو جاء الخبر المنتظر، فعلى المساعد ان يستقبل الرسالة ثم يوقظه ليحمل هو بدوره الرساله الى الوالي الجديد، ووعده بمكافأة 500 فرنك (وكانت العملات الاوروبيه مسموح بتداولها في ذلك الوقت في مصر) لو حدث ذلك..

فرصة العمر..

وجلس المعاون على المكتب ينتظر الخبر وذهب بسي بك ليستريح، وسرعان ماغط في سبات عميق!.. في حين استقبل المعاون نبأ وفاة الوالي محمد سعيد من مكتب التلغراف بالإسكندرية، فذهب ليوقظ المدير، فوجد صوت الشخير يتعالى مزلزلا ارجاء الغرفة، فخطرت في رأس المساعد الخبيث فكرة ان يذهب هو ليسلم الرسالة بدلا منه ويحصل هو على خلعة التنصيب!..

فأوصد الباب على مديره، وانطلق الى القلعة وأعلن عن هويته وفحوى الرساله، فأخذوه ليمثل بين يدي الأمير، فوقف امامه جاثيا على ركبته ووجهه في الأرض رافعا الرساله بيده، تناولها اسماعيل وقرأها وانزلقت دمعتين من عينيه، وسقطت الورقة من يديه!.. فتناولها المعاون الجاثي امامه واعاد رفعها اليه من جديد. وأقبل رجال القصر يهنئون الوالي الجديد، والحاشية يلتفون حوله، أما هو فتلقى التهاني منهم ونظر الى المساعد الجاثي وقال له باسما: “انهض يا بك”!.. فرفع وجهه مبتسما، وصافح الأمير فأشار الى احد معاونيه ان يسلمه صرة المال، وآخرا ان يعد صك البكوية باسم المساعد الذي لايزال جاثيا على ركبتيه لا يصدق نفسه ولا مايحدث..!

مافيش حد أحسن من حد!

وغادر المساعد القلعة عائدا الى مكتبه، فوجد بسي بك لا يزال نائما يشخر، وكانت الرسالة لا تزال فيه يده، فطاف في رأسه خاطرٌ من الشيطان، فأوقظ مديره واخبره بنبأ الرسالة، فنهض بسي بك من سباته فرحا واحتضن مساعده، وغسل وجهه وارتدى بدلة جديدة وحمل الرسالة وهم بالأنصراف الى قلعة الجبل ليخبر الأمير، فاستوقفه المساعد وذكره بوعده له، فاخرج له كل مافي جيبه من المال فكان اكثر مما وعده به سابقا. وذهب البك الى قلعة الجبل وهو يحلم بالباشوية، وبصرة المال التي سترفعه الى مصاف الموسرين السعداء، ولكن ما ان بلغ مشارف القلعة حتى سمع دوي المدافع ابتهاجا بتوليه الوالي الجديد، فبهت المسكين واستفسر عن النبأ، فأبلغوه ان الخبر قد حمله معاونه وحصل على خلعة التنصيب، فغضب بسي بك، وعاد لتوه الى مكتبه كسيفاً يتوعد ذلك المساعد اللئيم الخبيث بأشد العقاب. ولما ذهب ليواجهه وجده يرتدي حلة جديدة أنيقة ويستعد للمثول بين يدي الأمير ليتلقي صك اللقب الجديد. وقبل ان يسبه بأبشع الألفاظ حذره المساعد ان يتعرض له بكلمة واحدة، فقد صار يحمل نفس الرتبة (اللقب) التي يحملها هو. فاليوم تساوت الرؤوس و”مافيش حد احسن من حد”، وتركه ومضى!.. فاستفاق الرجل من هول الصدمة وأخذ يلعن نفسه لأنه وضع ثقته في انسان ليس أهلا للثقة..

أما المساعد فقد شمله الخديوي اسماعيل بعطفه، وعينه مسئولا عن مكتب التلغراف الخاص به في قلعة الجبل، ولاحقا في قصر عابدين، وكان يحمل كثيرا من الرياء مما أهله الى مرافقة المعية الخديوية لأطول فترة ممكنة، فكان مثالا حيا للفئة المحيطة بالحاكم في ذلك الزمان بمصر في منتصف القرن التاسع عشر.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • مصر من نافذة التاريخ، جمال بدوي، الهيئة العامة للكتاب 1995

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 52
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    54
    Shares
  •  
    54
    Shares
  • 52
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..