الحقيقة وراء استقلال القضاء في مصر الإسلامية

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares

لم يعرف العالم قديما النظرية الحديثة في فصل السلطات بصورتها الحاليه، ولم تطبق في الأنظمة الشمولية المطلقة التي سادت في الصعور الوسطى لا في مصر ولا اي مكان أخر. فالسلطات الحديثة الثلاث التي تقوم اي دولة معاصرة على مبدأ الفصل بينهم كانت تجتمع في يد الخليفة أو والي (حاكم) البلاد يمارسها مجتمعة او منفصلة ويوزع منها كيفما شاء على عمال يختارهم بعناية على اساس الولاء التام. ولم تشذ البلاد الأسلامية أبدا عن تلك القاعدة. فتوزيع المهام أو السلطات على الوزراء والقضاة والأئمة كان نظريا بحتا ولكن حقيقة الأمر ان ايا من صناع القرار لا يستطيع ان يتخذ قرارا يخالف هوى الخليفة أو أمير البلاد!.. وكان للقضاء جهة خاصة يعمل في دائرتها، وكان الوزير أو الوزراء ومن لديهم من الكتبة والعمال يمثلون الناحية التنفيذية، وأهل الحل والعقد (وكان رأيهم استشاريا غير ملزما) يمثلون السلطة التشريعية. ويجتمع الجميع على رأي الخليفة لا يشطون عنه قيد أنملة. تعالوا في هذه التدوينة نناقش بشيء من التفصيل استقلال القضاء في مصر في عصر المماليك.. للمزيد عن الحياة السياسية في العصر الأسلامي طالع هنا

10-الجامع-الأزرق.jpg

كان القضاء كأي سلطة دائم العرضة للتدخل والتأثير، ولكن السلطة العليا دائما ماكانت تؤثر ان تظهر نفسها امام الناس محترمة لرأي القضاء بعيدة عن التأثير في سير العدالة، لأن القضاء كان دائما متشح برداء الدين منفذا لأحكام الله الواردة في كتابه الكريم، فأي تدخل خارجي سيكون غير مرغوب ظاهريا، ولكن واقع الأمر ان القضاة عامة كانوا اعوان السلطان قبل ان يكونوا اعوان العدالة وتقدير استقلال القضاء وحريته يرجع قبل كل شيء الى السلطان، وكما كان هناك خلفاء وسلاطين يقدرون استقلال القضاء ويحترمون كلمته، فقد كان هناك ثمة قضاة اقوياء النفس والجنان يتمسكون برأيهم وسلطتهم ويأنفون التدخل والتأثير. وهناك امثلة عديدة في التاريخ تؤيد تلك الحقيقة نورد بعضها في تلك التدوينة، كجزء من الحديث عن تاريخ القضاء في مصر الأسلامية.

220px-Arabischer_Maler_um_1335_002.jpg

كان من قضاة مصر في اواسط القرن التاسع الميلادي الحارث بن مسكين والذي تولى القضاء في مصر من قبل المتوكل في 851م، ويصف لنا الكندي في تدوينه لقضاة مصر شخصية بن مسكين واسلوبه في اصدار الأحكام نقلا عن ابن قديد، وهو فقيه ومحدث مصري عاصر ابن مسكين وعرفه، فيقول انه كان شخصية قوية شديدة الحرص على الأستقلالية، وكان مقعداً يركب حماراً مبرقعاً ويُحمَل في محفته الى مجلس القضاء بجامع عمرو، وكان صارما شديد الوطأة، جرئ في احكامه، يأبى مجالسة الولاة او لقائهم. طلبوا منه ان يرتدي السواد وهو شعار بني العباس (الزي الرسمي لعُمّال الدولة العباسية) فأبى، فأقنعوه انه ان لم يقبل سيُتّهم بالميل الى بني أمية، وكان قد زال سلطانهم وانقضت ودولتهم، فقال: «من كان يخشى الماضي فأني له من مستقبل؟» فسكتوا وما حدثه احد في ارتداء السواد الى ان مات. وكان ابن مسكين كثير الأجتهاد والأبتكار في احكامه.

ويورد لنا المؤرخ الكندي طرفا من الأجراءات والأحكام، ويذكر لنا كيف ان الحارث ان ابن مسكين اثر الأستقالة على قبول تدخل الوالي في أحكامه، وذلك أن رفع اليه نزاعا على ملكية «دار الفيل» وهي احدى دور الفسطاط الشهيرة، وكانت لأبي عثمان مولى مسلمة بن خالد الأنصاري، وكان قد قُضِىَ في شأنها قبل الحارث عدد من قضاة مصر، فقضى فيهم هارون بن عبد الله باخراج بني البنات باعتبار ان البنات لا ميراث لها، ولكن خلفه محمد بن الليث فقضى بالغاء هذا الحكم وحكم لبني السائح بنصيبهم من الدار، فلما رفع النزاع الى الحارث بن مسكين ألغى كل الأحكام السابقه وقضى باخراج بني السائح من الميراث، فسافر بن السائح الى بغداد يرفع الأمر للمتوكل تظلماً من حكم الحارث، ملتمساً تدخل الخليفة في حكمه، فأحال المتوكل الحكم للفقهاء فحكموا على مذهب اهل الكوفة (الأمام أبو حنيفة) وقضوا بالغاء الحكم، وكان حكم الحارث على مذهب اهل الحجاز (الأمام مالك)، فلما بلغ ابن مسكين ماحدث فكتب الى المتوكل يستقيل من منصبه فأقاله وكتب وزيره اليه: «ان كتابك وصل باستعفائك فيما تقلدت من امر القضاء بمصر، وقد أمر أمير المؤمنين أيده الله باجابتك في ذلك اسعافا لك مما سألت وتفضلا لما أدى الى موافقتك فيه، فرأيك ابقاك الله في معرفة ذلك والعمل بحسبه..».

20-موكب-القاضى.jpg

ولما تولى المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون قضاء المالكية بمصر عام 1384م في عهد الظاهر برقوق، أبدى في تصرفاته وأحكامه تمسكا شديدا برأيه وإعراضا عن كل مؤثر وشفاعة، خلافا لما كانت عليه احوال القضاء يومئذ. فكان سابقا لعصره في فهم استقلال القضاء ووجوب صونه من كل مؤثر ولكن صرامته في تطبيق هذا الموطن في تعريفه كلاما طويلا عما كان يسود القضاء المصري يومئذ من فساد واضطراب، وما يطبع الأحكام من غرض وهوى، وعما كان عليه معظم القضاة والمفتيين والكتاب والشهود من جهل وفساد في الذمة، وأنه حاول اقامة العدل الصارم المنزة من كل شائبة، وقمع الفساد بحزم وشدة، وسحق كل سعاية وغرض يقول: «فقمت بما دفع الي في ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة لائم ولا يرغبني جاة ولا سطوة، مسويا بين الخصمين آخذا بحق الضعيف من الحكمين معرضا عن الشفاعات والوسائل بين الجانبين».

%d9%83%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b4%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b7%d9%85%d9%8a%d8%a9

كان هذا تصويرا قويا لأستقلال القضاء لا يتفق مع الكثير من روح العصر الذي اتسم بالأنقيادية والتبعية للسلطان، ولكن يتفق مع شخصية الفيلسوف القوية وثقته بنفسه وسموه برأيه، وقد انتهت العاصفة التي اثارت عليه خصومه باستقالته (او بمعنى اصح إقالته) من منصب القضاء لعام واحد فقط من توليته، وينسب خصوم الفيلسوف تخليه عن منصب القضاء لأسباب غير استقلاله برأيه ونزاهته في احكامه ولكن مؤرخا مصريا كبيرا في عصره وهو أبو المحاسن بن تغري بردي يقر الفيلسوف على تعليله ويقول مشيرا الى ولايته للقضاء: «فباشر منصبه بحرمة وافره وعظمة زائدة وحُمِدَت سيرته ودَفَع رسائل أكابر الدولة وشفاعات الأعيان.. »

18-جامع-عمرو-بن-العاص.jpg

على ان فهم استقلال القضاء على هذا النحو كان من الأمور النادرة الحدوث، أو بمثابة اللمحات من النور في عتمة الليل الدامس، وكان مرجعيته شخصية القضاة انفسهم، وليس حرمة المنصب وروح العصر أو نظمه. وقد كانت القاعدة العامة كما اسلفنا القول انه لا استقلال لأي سلطة الا في حدود رأي السلطان أو هواه، وكان خضوع القضاء لرأي السلطة ووحيها يبدو بنوع خاص بنوع خاص في بعض القضايا الجنائية الهامة التي تريد السلطة العليا ان تسبغ فيها لون القانون والعدالة على قصاص او انتقام نرى اجراؤه او القضايا المدنية الهامة التي يراد فيها اغتيال مال او ثروات يُطمع فيها باسم الشريعة والقضاء، وكثيرا ماكانت السلطة العليا تهمل في اجراءاتها واعمالها تلك الصبغة الشرعية الهامة، واكنها كانت كثيرا ماتراها من حسن السياسة ألا تتحمل مسئولية القصاص أو الأنتقام او مصادرة الأموال وتفعل ذلك بصورة شرعية وبحكم قضائي نافذ. وليست السلطة العليا فحسب، ولكن يكفي ايه أمير أو وزير او قائد بالجيش او اي رجل مقرب من دائرة السلطة لكي يتم التأثير على القضاة ونفاذ الأحكام على الهوى.

dsfsdfdsf

فلو طالعنا امثلة على خضوع القضاء للسلطة العليا نجد الكثير، ونكتفي بأن نورد في هذا مثالا واحدا نقله لنا المقريزي وهو شاهد عليه، ففي عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق أنشأ الأمير جمال الدين الأستادار مدرسة عظيمة بالقاهرة (الموجودة حاليا بالجمّالية) أوقف عليها اموالا كثيرة، وكان بناؤها على ارض وقف وبها بعض التُرَب (المقابر) فاستبدل بها الأمير جملة الأراضي الخراجية بالجيزة، وحكم له القاضي كمال الدين عمر قاضي القضاة بصحة الاستبدال وأزيلت المقابر وهُدِمَ ماكان بها من أبنية واُقيمت المدرسة مكانها، وكان السلطان يتابع انشاءها ويُبدي اعجابه بمبانيها وعمارتها، ثم نُكب الأمير جمال الدين ذات يوم ودخل في مشادة مع السلطان، فهُوّنَ للأخيرمن بعض محيطيه ان يستولي على المدرسة ويكتب عليها اسمه، فادعى السلطان عندئذ ان الأرض الخِراجية المستبدل بها كانت ملكا له (املاك اميرية) واغتصبها الأمير جمال الدين دون اذن منه.

وحكم له قاضي المالكية بأنه شاهد حجة الملكية بنفسه وهي من الوثائق السرية التي لايجوز اشهارها، وعليه يصير بناء المدرسة على ارض لم يملكها الأمير فوجب مصادرتها، وانتدب القاضي الشهود لتقدير البناء فقدر بنحو اثني عشر الف دينار وتم دفع المبلغ للأمير جمال الدين الذي مات حزنا عليها، وصادرها السلطان وصارت من املاكه، وأكمل بناءها بعد حكم قاضي الحنفية بصحة الأستبدال، وحكم له القضاة الأربعة بصحة الوقف بعد ان قضوا من قبل بصحة وقف الأمير جمال الدين الأستادار..! وتدور الأيام سراعا، ويموت السلطان فرج ويتولى من بعده السلطان الملك المؤيد شيخ، ويتولى الوزارة بعض من خاصة الأمير جمال الدين، فسعوا لدى السلطان ان يرد املاك الأمير لورثته وأجاب السلطان ملتمسهم، واُعيد رد القضية للقضاة الأربعة بتلميح بالرغبة السلطانية، وكان قاضي المالكية الذي اصدر الحكم الأول لايزال في منصبه وأحد من نظروا القضية الجديدة، وعقدت جلسة مشهودة في 1412م حضرها المقريزي، تم فيها برد المدرسة وجميع اوقافها الى ورثة الأمير جمال الدين. ويقول المقريزي:

«فكانت قصة هذه المدرسة من أعجب ما رأينا من تناقض القُضاة وحكمهم بإبطال ماصححوه، ثم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، وكل ذلك ميلاً مع الجاه، وحرصا على بقائهم في رياستهم، ستُكتب شهادتهم وعنها سيُسألون..» – المقريزي الخطط ج4

كان هذا مثال بارز يصور لنا مبلغ خضوع القضاء للسلطة التنفيذية وتأثره بأهواءها في تلك العصور، فلم يكن القضاء يومئذ هو الصورة المنشودة للعدالة او الملجأ الوحيد لطالبي الحرية، ولم يكن لدى العامة يومئذ احترام لقوة الأحكام النهائية، فأي حُكم يمكن بتأثير أعلى ان يعاد دراسته امام نفس القاضي وانتزاع حكم اخر، فما يفتى به اليوم تحقيقا لرغبة سلطان او أمير أو كبير، يفتى بعكسه غدا تحقيقا لرغبة آخر، وقد يقضي بتلك الأحكام نفس القضاة في مشهد مثير للسخرية، ويورد لنا المؤرخون غير مثال في هذا كلها نرجع الى ميل القضاة مع الجاه حرصا على مناصبهم وهو اصدق تعليل لهذا الصدع الأخير في في بناء الدولة ونظمها. ونستطيع ان نضيف الى قول المقريزي ان هناك عاملا اخر قيمته في خضوع القضاء للسلطة التنفيذية على هذا النحو، هو أن القضاء الأعلى لم يكن يتمتع في تلك العصور مما اسبغ عليه في العصر الحديث من الضمانات الكفيلة باستقلاله وحمايته من اي تدخل خارجي أو بمعنى اصح أي انتقام!.. وأهم تلك الضمانات هو الأستقلالية في تعيين القضاة وعزلهم ومحاسبتهم والتدخل في ارزاقهم، فقضاء العصور الوسطى كان يُعين ويُعزل بمرسوم من السلطان، ولا يجد السلطان اي غضاضة في ابرام اي مرسوم عزل لقاضي حكم بغير هواه، في حين انه كان يرسل للقاضي مبلغا من المال كنوع من المكافأة لو حكم بما يوافق هواه، ليس السلطان فحسب ولكن اي أمير أو وزير أو كبير، ولا يُسأل عن هذا من الوزراء او العامة، فكان دافعا قويا للقاضي ان يحكم بالرغبة العليا او يعتزل ويسمو بنفسه امام الله والناس، وإن كانت امثلة ذلك قليلة.

elsadairaqjustice.jpg

مراجع:

  • المقريزي – الخطط ج4 – القاهرة 1960
  • مصر السلامية وتاريخ الخطط المصرية – محمد عبد الله عنان – هيئة الكتاب 1998

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares
  •  
    7
    Shares
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “الحقيقة وراء استقلال القضاء في مصر الإسلامية

شاركنا برأيك فيما قرأت!..