احياء الخلافة العباسية.. «صولجان» في يد السلطان

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares

نشأت الخلافة العباسية في مدينة بغداد عام 750م بعد صراع مع البيت الأموي انتهى في مصر بمقتل الخليفة مروان بن محمد في الفيوم بمصر، في حين أفلت عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) ونجح في تأسيس امتدادا للخلافة الأموية في الأندلس. وظلت خلافة بني العباس متماسكة مترابطة تحكم سيطرتها على كل أطراف ملكها حتى اواسط القرن التاسع الميلادي، لغاية ما بدأ الأتراك يمسكوا مناصبا سيادية رفيعة في الدولة وكمان ينفصلون بولاياتهم، فانفصل السلاجقة بفارس (ايران) وماوراء النهر (كزاخستان)، وابن طولون بمصر ومن بعده الإخشيد فالفاطميين، لغاية لما مابقاش لبني العباس اوائل القرن الثالث عشر الميلادي الا بغداد فقط، واللي دمرها المغول عام 1248م وقتلوا الخليفة العباسي المستعصم بالله!.. ايه اللي يخلي الظاهر بيبرس وغيره انهم يبحثوا عن راجل من آل البيت العباسي ويبايعوه بالخلافة وكمان يبعتوه بقوة من الجنود لبغداد بغرض احياء الخلافة العباسية من جديد؟.. دا موضوع تدوينة اليوم وهنناقش الموضوع من منظور تاريخي بحت وباستفاضة.. خليكو معانا..

الدويلات الأسلامية مطلع القرن التاسع للحادي عشر الميلادي

من الأخطاء الشائعة تاريخيا ان الظاهر بيبرس هو أول من أحيا الخلافة العباسية، أو هو أول من فكر في نقل مقر الخلافة من بغداد للقاهرة، والحقيقة انه أول من نجح في الأمرين معاً، رغم ان هناك من سبقوه بالفعل انهم يفكروا في كدا أو كدا. فلو رجعنا بالزمن للوراء حوالي 300 سنة تقريبا هنلاقي والي مصر الأمير أحمد بن طولون يعرض على الخليفة العباسي المعتمد على الله حوالي عام 870م ان يهرب بمُلكه من سيطرة ولي عهده أبو أحمد الموفَّق، بعد ما اشتد الخلاف بينهم، وانه ينقل عاصمة مُلكه الى مصر، وبيتعهد أمامه ان يوفر له الحماية والسيادة الذي هوا عايزها، وبالفعل كاد ابن طولون انه ينجح وييجي الخليفة من العراق لولا ان الأمير الموفق اعتقله في بداية الطريق ورجعه مرة تانية لبغداد هوا واللي معاه!.. وحوالي عام 943م يجدد والي مصر محمد بن طغج الأخشيد العرض على خليفة بغداد عشان يهرب من سيطرة وزرائه ونزاعهم مع بعض على السلطة وهو كان مش عارف يسيطر على الموقف، وبعد تفكير رفض الخليفة عرض الأخشيد لأنه خاف منه، وفضل في بغداد.

_44208_a3

وعلى الرغم من ان السلاجقة انفصلوا عن سلطة بني العباس سياسيا، لكنهم أبدا مانفصلوش روحيا ولو يوم واحد!.. وكانوا بيدعوا لخليفة بغداد على منابر المساجد في فارس قبل الدعاء الى السلطان ملك شاه، ومه بعده جه جميع أبنائه زي ابوهم يقدروا خليفة بغداد، وطبعا ورث الزنكيون من السلاجقة احترام الخليفة العباسي، وكان الأيوبيون في مصر والشام امتداد لدولة الزنكيين، عشان كدا كانوا بيسعوا دائما الى استصدار المراسم من الخليفة العباسي انه يوافق على توليهم السلطة عشان يبقا معاهم مشروعية في الحكم، كما انهم كانوا كثير مايلجأوا للخليفة العباسي لحل اي نزاع ينشب بينهم. وكانت دولة المماليك في بداية عهدها امتدادا لدولة بني أيوب، فلاقينا ان سلاطينها الأوائل طلبوا موافقة الخليفة العباسي على تولي السلطة، وكان السلطان يطوف بخلعة الخليفة في الشوارع عشان يعرف الناس ان الخليفة موافق، ودا تدعيم لسلطته أمام امراء البيت الأيوبي المطالبين بعرش مصر. ولما رفض الخليفة تولية الملكة شجر الدر عام 1250م فلجأوا الى زواجها من احد الأمراء ومنحه السلطة يحكم البلاد معاها في البداية، وبعدين شوية بشوية خلص الملك لزوجها المعز أيبك، واللي نادى في الأسواق عام 1246م «ان البلاد للخليفة المستعصم، وان المعز أيبك نائبه بها..»، وطاف بخلعته في الشوارع يعرف الناس (أو الأمراء) بصحة ملكه وحقيقة سلطانه.. (!!)..

20-%d9%85%d9%88%d9%83%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%89

وبعدها بحوالي سنتين سقطت بغداد في ايد المغول وقتل المستعصم بالله فزالت الخلافة، ووقع المماليك في مشاكل التناحر بينهم على السلطة ومواجهة جحافل المغول في الشام، فشغلهم شوية عن البحث عن السلطة الأسمية (أو الروحية) اللي كانت مش موجودة في الوقت دا، وبدأ السلطان المظفر قطز المحاولة بعد انتصاره الكبير على المغول في 1260م، بعد ما وجد في دمشق أحد رجال البيت العباسي الهربانين من بغداد، واسمه أبو العباس أحمد فبايعه بالخلافة على انه يروح لبغداد ويستردها من المغول ويقيم فيها ملكه من أول وجديد. وبعد اغتيال قطز وتولى الظاهر بيبرس السلطنة من بعده بعت جاب الخليفة أبو العباس أحمد للقاهرة لمبايعته مرة تانية، ولما جه في يونيو 1260م وقبل ما يدخل المدينة لقى ان فيها (عباسياً) آخر سبقه وجه لبيبرس، وهو أبو القاسم أحمد واللي وصل الى القاهرة في صحبة جماعة من العربان (كانوا من بدو العراق) وقدام مجلس عام حضره بيبرس ورجال الدولة شهد العربان قدام كل الناس بأنه ابن الخليفة العباسي الظاهر بأمر الله، فأعلن قاضي القضاة قبوله لشهادة العربان بعد ما استشف الرغبة السلطانية (حسّ ان السلطان عايز كدا) في احياء الخلافة وأعلن تولية أبو القاسم أحمد منصب الخلافة ومنحوه لقب «المستنصر بالله»، وحصل بالفعل على مبايعة بيبرس واللي أقر له بالملك ومنحه ملك البلاد واللي هايضاف اليها من فتوحات جديدة، وطلب من باقي الأمراء مبايعة «ولي الأمر» الجديد. وولما شاف ابو العباس أحمد (العباسي الأول) اللي حصل، ساب القاهرة وراح شمالا الى حلب وقصد أميرها شمس الدين أقوش وكان على نزاع مع بيبرس، وعرض عليه دعمه روحيا على ان يعترف له بالخلافة، فبايعه أقوش وأمده بكتيبة من التركمان حوالي 700 فارس عشان يروح لبغداد ويعيد ملكه.

andalus-0198

وفي القاهرة كان الظاهر بيبرس ممتلئا كله حماس الى اعادة الملك لأل البيت العباسي من جديد وكان بيدبر امر خروج جيش كبير مع «خليفته» المستنصر، بيحكي المقريزي انه رصد له ميزانية ألف ألف (مليون) دينار، ولكنه رجع وعزف عن الأمر كله لما اعاد التفكير فيه واستشار بعض الأمراء، لأنه خاف ان  الخليفة ينازعه السلطة بعد مايرجع ملكه أو يستحوذ عليه أمير تاني من اعداء بيبرس!.. فاكتفى بتزويده بكتيبة من 300 فارس وأرسله الى بغداد (!) وهناك انضم اليه جماعة من عرب العراق وكتيبة من 60 مملوكا من الموصل و30 فارس من حماة وتقابل ايضا مع رفيقه أبي العباس احمد ومن معه من فرسان حلبيين واتفق الأثنين انهم يتعاونوا سوا لأعادة الخلافة من جديد. وفي ديسمبر 1261م وقرب مدينة الأنبار بالعراق خرج اليهم جيش المغول وأبادوا الكتائب المملوكية عن اخرها وقتلوا المستعصم بينما هرب أبو العباس أحمد ورجع على مصر في مارس 1262م، فاستقبله بيبرس على مشارف القاهرة وأكرم وفادته وعمل له مجلس كبير في نوفمبر من نفس السنة، ضم الأمراء والأعيان والقضاة الأربعة، واللي أثبتوا نسب الخليفة ومنحوه لقب «الحاكم بأمر الله» وبعدين عرض عليه بيبرس ان يخليه في القاهرة عشان يقدر يوفر له الحماية اللازمة، وحقيقة الأمر ان بيبرس فضَّل ان يكون الخليفة قريب منه وتحت عينه، وبذلك مش هايكون مصدرا لأي قلق. لأنها مش طالبة انه يخلق لنفسه مزيد من المنافسين، هوا كان عايز بس يقوي مركزه قدام خصومه، ويكتب لنفسه سند شرعي أمام الرأي العام يقوي به أركان دولته وعاصمة بلاده. وعشان كدا اسكنه في برج فسيح من ابراج قلعة الجبل (صلاح الدين) وحط عليه حرس وعيون تراقبه عن بعد ومكانش له من مظاهر السيادة الا الخطبة يوم الجمعة والدعاء باسمه، وسك اسمه على الدنانير جنب اسم السلطان، وزي ما عمل بيبرس مشي كل سلاطين المماليك من بعده لغاية ما جه السلطان سليم الأول عام 1517م واعتقل الخليفة العباسي وراح به الى الأستانة وأجبره على التنازل عن الخلافة لنفسه، ودا كان لنفس السبب اللي دعى بيبرس قبله بقرون انه يحيي خلافة بني العباس!.. رغم ان سلاطين بني عثمان عمرهم ما دانوا لخلفاء بغداد ولا لغيرهم بالولاء ولو اسميا ليوما واحدا (!!) عشان كدا بنقول ان الخلافة من عهد بيبرس صارت زيها زي «الصولجان» اللي كان بيمسكه في ايده الملك زمان قدام الناس دليل على صحة ملكه. وفضلت الخلافة متوارثة في سلاطين بني عثمان لغاية سقوطها عام 1924م على يد كمال أتاتورك.

أما الخلافة العباسية نفسها ماستفادتش حاجة من الأحياء المزعوم اللي عمله بيبرس، لآن المستفيد الفعلي هم سلاطين المماليك وعاصمتهم القاهرة، نلاقي سلاطين المماليك، من الوقت دا ولغاية دخول بن عثمان لمصر، بقا لهم المقام الأسمي على كل ملوك العالم الأسلامي باعتبار انهم حماة الخلافة واللي معاهم بيعتها ورضا الخليفة، وأصبحت للقاهرة مكانة سياسية عالية وأعلى من كل عواصم العالم الأسلامي في الوقت دا بعد سقوط بغداد وقرطبة وزوال تألق دمشق والمهدية. وبرغم انها كانت قبل كدا مقر خلفاء الفاطميين لحوالي 200 سنة، لكن كان دايما فيه اللي بينازعها الملك والسيادة في بغداد وقرطبة وبيطعن في شرعية خلفاءها ونسبهم، أما في عصر بيبرس واللي بعده مكانش فيه غير خليفة واحد، وهو اللي قاعد في برج من ابراج قلعة الجبل عشان يحضر الصلاة في الأزهر كل جمعة ويدعو الخطباء باسمه جنب اسم السلطان. وفي الواقع ان الخلافة العباسية من أول ما ظهر الوزراء الأتراك في الساحة السياسية في القرن التاسع الميلادي جردوها من املاكها شوية بشوية لغاية ماعادش لها الا بغداد بس!.. وفي القاهرة ماكانش الخليفة يمتلك حتى البرج اللي كان هوا ساكن فيه، اللهم الا عباءة وعمامة وسيف منسوب «زعما» للنبي صلى الله عليه وسلم بيورثه الخلفاء ابا عن جد لغاية ما اغتصبها ابن عثمان مع اللي أخدهم لبلاده من خيرات مصر، وهي دلوقتي محفوظة في متحف توب كابي في اسطنبول.

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ مصر الأسلامية ج2، دار المعارف القاهرة 2007
  • تقي الدين المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الحكمة 1942

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares
  •  
    9
    Shares
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

4 thoughts on “احياء الخلافة العباسية.. «صولجان» في يد السلطان

  1. تعليق بسيط على نقطة ان سلاطين بنى عثمان عمرهم ما دانوا للخلفاء العباسيين بالولاء ولو يوما واحدا …طبيعى لأن دولة الخلافة فى بغداد سقطت 1256م ودولة عثمان نشأت 1299م وبالتالى لم يكن هناك خليفة فعلى فى بغداد اللهم الا خلفاء العباسيين اللى عينهم المماليك ودول كما ذكرتم كانوا صورة شكلية لا اكثر لم يستخدمها الا المماليك وفقط

شاركنا برأيك فيما قرأت!..