أنا الأديب الأدباتي.. أنا عبد الله النديم

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares

مقهى مصري مطلع القرن ال20

إحنا كمصريين نعرف القعدة على القهاوي من زمان أوي. وقبل الراديو والتليفزيون ومباريات كرة القدم، كانت وسائل التسلية على القهاوي هي الشاعر واللي كان بيغني على الربابة سيرة الهلالي والظاهر وشفيقة ومتولي، وكمان الأدباتي واللي كان بيبقا لابس طرطور على راسه وبيلف في الشوارع وعلى القهاوي يقول كلام مسجوع واشعار وازجال: “أنا الأديب الأدباتي.. أكل وأربّي ف شنباتي.. إلخ” وبعدين يقلع طرطوره ويلف بيه على الناس يلمّ قروش.. وعلى قهوة “متاتيا” المشهورة اللي في العتبة كان دايما بييجي الأدباتي يلف لفته، لكن حظه بيبقا وحش لما يلاقي واحد يدخل معاه في سِجال (يخش له قافية يعني) ويطلّعه خسران ويبوظ عليه اللّفة ماحدش يرضى يديله قروش… كان اللي دايما يبوظ على اي أدباتي يومه هو المشاغب الوطني الثائر.. عبد الله النديم!

في حارة ضيقة من حارات حي الجمرك (بحري) قرب ميناء الأسكندرية اتولد عبد الله النديم سنة 1842م، وكان ابوه عنده فرن بلدي صغير، وبيشتغل في نفس الوقت نجّار في الميناء. واهتم والده بتعليمه من صغر سنه، و بعد ما حفظ القرآن، دخل مدرسة جامع الشيخ ابراهيم في سوق الترك في المنشية، فإتعلم على ايدين كبار المشايخ الفقه الشافعى والمنطق والاصول والادب والاشعار، وظهرت قدراته فى ذاكرة عجيبة تحفظ كتير من الأشعار والأزجال لمجرد سماعها مرة واحدة، وكمان كتابة الشعر و النثر المسجوع واللي كان اسلوب الكتابة ايامها، لكن النديم ابتكر اساليب جديدة بتحرر الكتابة النثرية من السجع ودا خلاه اشتهر رغم صغر سنه بين الكتاب و الشعراء اللى كانوا بيتصلوا بيه و يناقشوه في كتاباته.

AlexandriaTram1903

عاصر النديم وهوا صغير توليه الوالي محمد سعيد باشا في يوليو 1854م ولاحظ وهوا صغير توافد كتير من الأجانب (الخواجات) على الأسكندرية، لدرجة ان، حسب كلامه: “الهوا بقت ريحته خواجاتي!”.. لاحظ كمان النديم ان الخواجات اللي بييجوا من بره اغلبهم كانوا بيبقوا مفلّسين، وبعد شهور قليلة القرش يجري ف ايديهم وناس منهم تاخد اطيان واملاك.. ياترى جابوها منين؟.. وعرف ان الناس دي كانت بتروح بمشاريعها للوالي سعيد باشا واللي كان فاتح لهم قصره دايما، فيديهم عطايا ومنح وفلوس كتير تشجعهم على الاقامة في مصر وكتير منهم يسيبوا بلادهم ويستقروا هنا!.. شاف بعينه الأستغلال والأستغفال والسرقة من صغره، وكانت اول درس في السياسة يتعلمه في اوائل ايامه.

عربة ملكية أمام قصر الجزيرة

ولأنه ساب الدراسة وراح يسعى وراء جلسات الأدباتية والسمّار، بيخيره ابوه بين الرجوع للدراسة او ينزل يشتغل في الميناء، وبيسيب الشاب عبد الله اسكندرية كلها سنة 1861م وبيبدأ رحلته بحثا عن الشغل والقرش وكان عمره 17 سنة، وبيروح القاهرة يتعلم التلغراف وكانت مهنة جديدة في مصر، وبيشتغل في قصر الوالدة باشا في جاردن سيتي (وبعد حواري الجمرك والمنشية فطبعا كانت نقلة جامدة جدا) فمبيعرفش يتكيّف مع الوسط الجديد وبيتخانق مع رئيس الخدم وينطرد من القصر!.. فيروح للدقهلية عند واحد من عمد الأرياف عشان يعلم أولاده مقابل أجر شهري وسكن، ولكنه بيختلف مع العمدة وبيقول فيه زجل في واحدة من جلسات السمر بالليل، وطبعا بيوصل الزجل للعمدة اللي بيطرده من البلد كلها.

2530804496_18f0a77517.jpg

ويجرّب النديم رزقه في التجارة، فيفتح دكان خردوات في مدينة المنصورة، ولكن الصنعة تحكم، فيجتمع حواليه كل الأدباء والمثقفين والسُمّار، فينصرف عن البيع والشراء الى جانب انه كان بيبيع شُكُك كتير واحيانا ببلاش مع الغلابة فبيفلس الدكان ويضطر انه يقفله ويرحل من البلد، ويحطّ رِحالُه في مدينة طنطا يدور على شغل، وعلى قهوة في ميدان المحطة بييجي أدباتي زجال ويميل على النديم وهو قاعد ويقول له:

أنعِم عَلينا بقِرشَك يا جُندي  **  ولا اكسِينا أومـّـال يا أفندي

أحسن أنا وِحيــَـاتك عَندي   **  بقَـالي شَهرين طُوال جَوْعان

فيضحك النديم ويبص للأدباتي بطرف عينه ويقول:

أمَّا الفِلوس أنا مادّيشي  **  وإِن قُلت لِي أنا مامشِيشِي

يِطــلع علـــيَّا حَشِيشي  **  أقـُــوم أملَّص لــَــك الـــوِدان

فطبعا عرف الأدباتي انه دخل في حارة سدّ ومشي، لكن المسمع دا وصل لشاهين كنج باشا مفتش عموم وجه بحري وكان من هواة الأدب، فبيعزم النديم على جلسة مسائية في قصره، وهناك بيتعرف بكتير من المثقفين والأدباء وكانت ايامها الحركة الصحفية في مصر لسة وليدة، بيتعرف كمان على توتونجي بك واللي كان من الحاشية الخديوية، فبيعينه وكيل لدايرته وبكدا بيرجع القاهرة تاني وبيبدأ فاصل جديد فيه حياته الأدبية والثورية.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وفي القاهرة بيتعرف على الشيخ جمال الدين الأفغاني واللي كان زبون مستديم على قهوة متاتيا ودايما يتكلم كلام ثوري حماسي، ومعاه باستمرار في جلساته حوالي عشرة او عشرين تلميذ.. أديب اسحق وسليم نقاش ودول شوام، وشاب ضخم الجسم اسمه محمود سامي البارودي، وشاب ازهري قصير اسمه محمد عبده، طالب ازهري طويل تمرّد على لبس الجبة والقفطان ولبس البدلة واسمه سعد زغلول، وكمان شاب شامي اسمه رشيد رضا.. وغيرهم وغيرهم.. وبيشور عليه الأفغاني بانه يرجع الأسكندرية سنة 1879م ويبدأ في كتاباته عن الفكر الثوري، وبيرشح له جريدة “التجارة” بتاعت أديب اسحق يشتغل فيها، وبيبدأ كمان يكتب في جريدة “مصر” مقالات حماسية بتتكلم عن توجه قومي رافض للتدخل الأجنبي في مصر وكتير من تصرفات الخديوي اسماعيل، وبينضم كمان جماعة “مصر الفتاة” ودي كانت جماعة سرية، وهناك بيرفض النديم العمل السري لشجاعته وبيطلب منهم التحول للعمل العلني، ولما رفضوا بينفصل عنهم وبيشارك في تكوين “الجمعية الخيرية الأسلامية” عام 1879م واللي بتأسس مدرسة لا تتبع وزارة المعارف العمومية، وبيكون النديم أول مدير لها وهنا بتظهر مهاراته في الخطابة.

وبعدها بشهرين بيتم خلع الخديوي اسماعيل وتولية ابنه الخديوي توفيق، وسط استبشارات من المصريين بالحاكم الجديد وانه يوفي وعوده بالأصلاح وتصحيح أخطاء الخديوي السابق، لكن الخديوي بيتنكر لكلامه فبيكتب النديم عن الخديوي بأسلوب بيكون مثار اهتمام لكل المثقفين والقراء، وبيصطدم مع رياض باشا رئيس الوزراء بعد ما بيكتب رواية مسرحية اسمها “الوطن وطالع التوفيق” بينتقد فيها الحكومة وبيخرجها بفريق التمثيل بتاع المدرسة وبيحضرها الخديوي اللي بتعجبه المسرحية رغم سخريتها لأختلافه مع رياض باشا اللي بيتدخل لدى المحافظ وبيطردوه من ادارة المدرسة.

وبيتجه النديم للصحافة في الأسكندرية وبيصدر جريدة ساخرة اسمها “التنكيت والتبكيت” في يونيو 1881م وبيكمّل سلسلة المقالات اللاذعة اللي بتنتقد الحكومة والنظام، وبتنجح المجلة واعدادها بتتباع اول مابتنزل، وبتنزل المجلة القاهرة وفي الأثناء دي بيبدأ أحمد عرابي باشا تخطيطه للثورة على الخديوي، وبيتصل بالنديم وبيجتمع معاه واختاره كخطيب وداعية للثورة في المحافل والتجمعات اللي بيقعدوا فيها المثقفين والنخبة، واثّرت خطب النديم في كتير من الناس ونقلت فكر الثورة لهم وامنوا بيه. وبيتوافد على القاهرة، نتيجة لخطب النديم، كتير من الأعيان والفلاحين لمبايعة عرابي على الثورة. وبيقابلهم عبد الله النديم وبيلهب حماسهم بالمزيد من الخطب الثورية.

هوجة عرابي

وفي 9 سبتمبر 1881م بيكون عبد الله النديم هو المدني الوحيد اللي بيشترك في زحف الجيش لقصر عابدين، وبيضطر الخديوي لأنه يطاوع عرابي، وبيقيل وزارة رياض باشا ويسند الوزارة الجديدة لشريف باشا، وبيتم اعلان قيام حياة نيابية دستورية في مصر باقامة انتخابات مجلس النواب، وبيتعين عرابي باشا وزير الحربية وبتنجح الثورة مؤقتا، وبينجح معاها عبد الله النديم وبيشتهر أكتر وبيبقا رمز من رموز الوطنية في مصر، بعد مابيقفل التنكيت والتبكيت وبيسيب اسكندرية وبيروح القاهرة ويسكن هناك وبيأسس مجلة جديدة وبيسميها “الطائف” وبيبدأ فيها فاصل جديد من المقالات الثورية الوطنية، الى جانب جولات عديدة في قرى وكفور ونجوع مصر بيقابل الفلاحين وبيخطب فيهم خطب حماسية تعلّمهم يعني ايه الوطنية والأنتماء لبلدهم وتعرّفهم حقوقهم لأول مرة في حياتهم، وتكون دي اول حملة دعاية (بروباجندا) في تاريخ مصر.

1882USMCAlexandria

وفي يوليو 1882 بيضرب الأسطول الأنجليزي الأسكندرية من البحر وبيشتبك مع عرابي باشا في كفر الدوار، وبيرجعوا يدخلوا من قناة السويس ويشتبكوا معاه مرة تانية في التل الكبير، ولما بيتهزم عرابي باشا وبيتم القبض عليه بيهرب عبد الله النديم، وبيصدر الحكم غيابي على النديم بالنفي مع اعضاء الثورة العرابية الى جزيرة سيلان، وبترصد الداخلية مكافأة 1000 جنيه مصري (مبلغ كبير جدا في الوقت دا!) للي يدل بمعلومات للقبض عليه.

ارض مصر الزراعية

وبيهرب النديم لقرية جنب بنها اسمها “ميت الغُرَقا” عند واحد من اعيان البلد هناك لمدة سنة، بعدها انتقل الى بلدة اسمها “العَتوة” في مديرية الغربية في ضيافة عمدتها الشيخ محمد الهمشري اللي اكرمه كتير وزوجه واحدة من بلدهم، وبعد اربع سنين بيموت الشيخ الهمشري وبيبلغ عنه بعض افراد القرية، فبيهرب النديم وبيتخفى في عدة شخصيات بيغيرها بتغير الأماكن.. مرة يبقا شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ومرة عالم يمني اسمه الشيخ يوسف المدني، ومرة عالم دين مغربي اسمه سي الحاج علي المغربي، ومرة شيخ اسمه محمد الفيومي.. حوالي 9 شخصيات أو أكثر انتحلها النديم في ترحاله من مكان لمكان ومن بلد لبلد!.. ولم يتوقف قلمه عن الكتابة والنشر باسماء مستعارة مقالات واشعار عن طريق اصدقاءه من الصحفيين والناشرين.

محاكمات ثورة عرابي.jpg

وبعد 9 سنوات من الفرار والهرب والتخفي، بيتم القبض على عبد الله النديم في طنطا بعد وشاية أحد الفلاحين، وأمام وكيل النيابة قاسم امين بيتم استجواب عبد الله النديم، وبيحسن أمين معاملته وبتيجي التعليمات بالعفو عنه بشرط مغادرة مصر لأي بلد، فبيختار النديم انه يسافر ليافا، درة مدن فلسطين، واللي بيكون اهلها واقفين في انتظار وصوله في المينا علشان يستقبلوا الثائر البطل اللي وقف قصاد الأنجليز ينادي بحرية بلاده.

وبيموت الخديوي توفيق عام 1892م وبيتولى الخديوي عباس حلمي الثاني، وبيحصل عفو عام عن رموز ثورة عرابي ومنهم النديم اللي بيرجع لمصر، وبيتعرف على طالب في كلية الحقوق اسمه مصطفى كامل، واللي بيتعلم من النديم الثورة والحماس، وبيحس النديم ان الشاب اللي كله حماس دا مثال للجيل الجديد اللي لازم يشيل شعلة الثورة والكفاح ضد الأحتلال وانه يتجنب اخطاء الثورة العرابية. وبيصدر النديم مجلة جديدة اسمها “الأستاذ” وبيبدأ سلسلة مقالات جديدة بيحارب فيها الوجود الأنجليزي وبيصطدم من جديد باللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر، مما ادى لإغلاق المجلة من قِبَل سلطات الأحتلال البريطاني والقبض على النديم ونفيه لأسطنبول عام 1893م بعد اقل عام واحد بيقضيه في بلده!..

قصر الخلافة (يلدز) - اسطنبول

وفي اسطنبول بيفرض عليه السلطان عبد الحميد الأقامة الجبرية، زي ماكان بيعمل مع كل الثائرين والمتحمسين اللي كان بيجيبهم تحت عينه ويسند اليهم وظائف اسميه بمرتبات مجزية (بيشتري سكوتهم!)، وهناك اشتغل النديم في ديوان المعارف مفتّش للمطبوعات في قصر يلدز، وبيصطدم النديم من جديد بالشيخ عبد الهادي الصيادي مستشار السلطان، بعد ما ألف فيه كتاب انتقد اسلوبه واسمه “المُساير” وهوا طبعا غير موجود بالمطابع العربية، لكن اللي قرأوه بيقولوا انه بذيء جدا في ألفاظه، وطبعا تم مصادرة الكتاب وان كان البعض استطاع تهريب نسخ قليلة، ومنع النديم من الكتابة.

15737841

وفي اواخر أيامه، بيسقط النديم فريسة لمرض السل وكان مالوش علاج في الوقت دا، وفي 10 اكتوبر 1896م بيرحل عبد الله النديم عن دنيانا في مدينة اسطنبول عن 54 سنة، وبيستقدم الخديوي عباس حلمي جثمانه للدفن في القاهرة وبيأمر بجنازة كبيرة له بيمشي فيها فرقتين من الجيش و فرقه من البوليس و كبار رجال الدوله والعلماء والمفكرين، بيتقدمهم شيخ افغاني عجوز محطّم كان النديم من تلامذته. مات النديم وماسابش لاهله حاجه لانه كان بيصرف كل فلوسه اول باول، لكن ميراثه الحقيقي هو الفكر الثوري ورفضه للإستعمار واللي ظهر بعد كدا في نضال مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، وانتقل لكل فرد في مصر في ثورة الشعب سنة 1919. واشتهر كمان بأخلاقه وتواضعه مع الناس كبيرهم و صغيرهم ، وذكاءه وجراءته فى كل اللى بيقوله أو بيكتبه. ألف أكثر من سبعة آلاف بيت شعر، وروايتين. أشهر كتبه كانت “الاحتفاء في الاختفاء”، و”اللآلئ والدرر في فواتح السور”، و”البديع في مدح الشفيع”، و”في المترادفات” وللأسف ماوصلناش منها إلا مقتطفات بسبب فترة الهروب والملاحقات الأمنية.. ثار النديم ضد الظلم والأستعمار ومانتظرش اي مقابل ولا طلب اي منصب سياسي أو مقابل مادي، فكان حقا “ثائرا لوجه الله”..

s122008513201

لطفا لو عجبتك التدوينة تشيرها لأصدقائك للأستفادة، وماتبخلش علينا بالفولو للمدونة ولحساب تويتر اللي باين تحت على اليمين.. وشكرا.

مراجع:

  • عبد الله النديم – د. علي الحديدي
  • زعماء الأصلاح في العصر الحديث – أحمد أمين
  • خطباء صنعوا التاريخ – أنور أحمد
  • أيام لها تاريخ – أحمد بهاء الدين

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares
  •  
    17
    Shares
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

0 thoughts on “أنا الأديب الأدباتي.. أنا عبد الله النديم

شاركنا برأيك فيما قرأت!..