«أم المماليك».. عاشت ملكة وماتت ذليلة

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    16
    Shares

مكانش ينفع نتكلم عن مراد بك (للمزيد طالع هنا) ومانتكلمش عن زوجته الحكيمة الخيّرة الست نفيسة البيضا، واللي كانت على النقيض التام من شخصية زوجها.. في الوقت اللي كان زوجها بيقدم الطعام والسلاح للمحتل الفرنسي، كانت زوجته في القاهرة بتلعب دور هام في معاونة الشعب في ثورة القاهرة الأولى والثانية.. النهاردا هانتكلم عنها خليكو معانا..

كانت نفيسة هانم أو نفيسة خاتون او نفيسة قادين أو الست نفيسة البيضا زي ما اشتهرت بين عموم المصريين من أكثر الشخصيات النسائية شهرة فترة ماقبل الحملة الفرنسية علي مصر، مش بس لكونها زوجة مراد فهو كان مكروها من الشعب بصفة عامة لأفعاله، ولكن لحبها للخير وقربها من الناس. كانت جارية من أصل شركسي جُلِبَت إلى مصر، ماحدش يعرف بالظبط محل ميلادها أو أصلها، منهم اللي بيقول انها من الأناضول أو بلاد القرم أو حدود القوقاز.. كانت بيضاء البشرة بصورة ملفتة للنظر وعلي جانب كبير من الثقافة والغني وروعة الجمال والحياء، فاشتهرت من بداية حياتها باسم (نفيسة البيضا)، وبين المماليك اشتهرت باسم الست (نفيسة المرادية) نسبةً إلى زوجها الثاني مراد بك .

بدأت الناس تعرف الست نفيسة البيضا من أول ما دخلت في حريم علي بك الكبير زعيم المماليك واللي استقل بحكم مصر عن حكومة العثمانيين المركزية في الأستانة (للمزيد طالع هنا). اعجب علي بك بجمالها وأحبها واعتقها وتزوجها وجعل منها (هانم) بمعنى الكلمة!.. فبنى لها داراً خاصة تطل على بركة الأزبكية في درب عبد الحق عاشت فيها معززة مكرمة بين الخدم والحشم وفرقة من الفرسان المماليك لحمايتها، واقطعها مجموعة من المحلات تدر عليها دخل كبير فعملت في التجارة واشتهرت بين الناس بعمل الخير، تعلمت العربية في سن مبكرة فصارت تجيد العربية والتركية قراءة وكتابة وكلاما، وتعرفت على كثير من التجار الفرنسيين فتعلمت منهم اللغة الفرنسية، وكانت محبة للعلم قارءة جيدة للكتب الأدبية والروايات والأشعار. ولما اجتمع الخونة لمحاربة، طلب محمد بك ابوالذهب من مراد بك (وكان من فرسان علي بك الكبير) الأنضمام اليه وخيانة سيده، فاشترط عليه بأن يفوز بالزواج من نفيسة هانم اللى كان بيحبها من زمان، وبيوافق محمد بك أبو الدهب وبينضم مراد بك لقواته وبيشترك في قتل علي بك الكبير عام 1773م ليتزوج بعدها من الحسناء الجميلة الغنية، فكانت أجمل ثمن أو مقابل للخيانة.

1280x960.jpg

وانتقلت بعدها الست نفيسة الى منزل زوجها مراد بك بميراثها اللي ورثته عن زوجها السابق علي بك الكبير وكان بحق ثروة طائلة، وزادها مراد بك الكثير من الهدايا والهبات فازدادت ثراءاً فوق ثراء، وعاشت معه حياة الترف والغنى بأملاكها التي شملت العديد من البيوت والقصور والوكالات التجارية جيشاً خاصاً من 400 مملوك لحماية ممتلكاتها وقصرها وأسطولاً من خمسة سفن تجارية في النيل، و56 جارية يعملون على خدمتها الى جانب اثنين من العبيد الخصيان في حاشيتها الخاصة. وعاصرت نفيسة مع زوجها مراد بك موت محمد بك أبو الدهب وصراع زوجها مع العثمانيين على السلطة حتى انفراده بحكم مصر مناصفة مع ابراهيم بك لمدة تزيد على عشرين عاما. وبقدر ما كان مراد بك واحدا من كبار الخونة، كانت نفيسة امرأة رائعة وقوية في شخصيتها، وكانت خير سند وأخلص مستشار لزوجها مراد بك في الشأن العام. حاولت كثيرا وفي أكثر من مناسبة الحد من آثار المظالم اللي ارتكبها زوجها في حق المصريين، وكانت تعارضه دوما وهو مطلق السلطان على مصر في مصادرة أموال التجار الأوروبيين وإرهاقهم بالضرائب والغرامات. وكانت بالطبع التصرفات من أسباب أو ذرائع الحملة الفرنسية على مصر. ولمواقفها في حق التجار الفرنسيين بمصر أرسلت لها حكومة فرنسا هدية قيمة عبارة عن ساعة قيمة مرصعة بالألماظ سلمها لها مسيو ماجالون قنصل فرنسا العام بمصر.

وفي الوقت دا، وكواحدة من أغنى أغنياء مصر تمتلك العديد من المحال التجارية ووكالة باسمها، أنشأت الست نفيسة البيضا مجموعة خيرية تتكون من سبيل يعلوه كتاب ووكالة تجارية تانية غير وكالتها الأصلية بها محالٌ تؤجر ويستغل ريعها للصرف على السبيل والكتاب، إضافة إلى حمامين يُستَغلُ ريعهما للإنفاق في أوجه الخير. ويعلو الوكالة والحمامين نزل (فندق) لإسكان فقراء المسلمين بمبالغ رمزية، وتقع عن الطرف الجنوبي لشارع المعز لدين الله بقرب باب زويلة. واشتهرت المجموعة دي بإسم (السكرية)، تكفلت بها لجنة حفظ الأثار العربية بعد خروجها من الخدمة عام 1894م وأدرجتها في سجل الأثار، وهي المنطقة نفسها التي كتب عنها الأديب الكبير نجيب محفوظ في ثلاثيته الروائية المعروفة. كانت محبة للخير فإلتفت حولها قلوب المصريين بكثير من البر والإحسان والتصدق علي الفقراء والمساكين وحماية الضعفاء ورفع المظالم عنهم، كمان كانت تتبرع بإعانات شهرية مالية للعديد من عائلات المماليك اللي انقلب عليها الزمن، فعظمت مكانتها بين العامة (المصريين) والناس (المماليك) على حد سواء.

وبعد دخول المحتل الفرنسي عاصرت هزيمة زوجها مراد بك أمام القوات الفرنسية في موقعة امبابة (الأهرام) في يوليو عام 1798، وفرار مع فلول قواته ومماليكه إلى الصعيد ليبدأ في شن حرب عصابات ضد الجيش الفرنسي. أما هي فرفضت ان تترك القاهرة وظلت في بيتها وعملت بذكاء على حماية أملاكها الضخمة الخاصة بها وبزوجها، وبسطت حمايتها على كثير من نساء المماليك المنكوبين، وواست عدداً كبيراً من الفقراء الذين نُكِبوا في الحملة الفرنسية من أهل القاهرة، ودفعت كثير من الغرامات المالية اللي كانت بتفرضها سلطات الأحتلال الفرنسي على المصريين وومكانوش بيقدروا غالبيتهم يدفعوها، فنالت مزيد من احترام المصريين والفرنسيين كمان!.. لأنها في الوقت نفسه، حافظت على علاقة مجاملة مع إدارة الحملة الفرنسية، لدرجة إنها سمحت بتمريض جرحى الجنود الفرنسيين بالأزبكية. وكمان استضافت نابليون وقواده على العشاء في قصرها، فشكرها نابليون واحسن اليها، كما كان قواد نابليون ورجاله كلهم يرعون جانبها ويعملوا لها ألف حساب لمكانتها بين الناس، حتى إن ديجنت كبير أطباء الحملة الفرنسية كان ألف كتاب باللغة العربية عن مرض الجدري في مصر وأهداها خمسين نسخة منه.

16728_10202901082430929_4386232965427095149_n.jpg

ولكن وبعد رفض زوجها التعاون مع نابليون فتوترت العلاقات بين نفيسة والفرنسيين، فإتهمها نابليون بإخفاء أموال المماليك في ثروتها، وأصدر قرار بمصادرة أملاك العديد من المماليك واسرهم وقامت هي بالتالي برعاية حريمهم في بيتها، وتَعيّنَ عليها أن تدفع فدية ضخمة (حوالي مليون فرنك فرنسي) مقابل الأفراج عن نساء المماليك وصيانة حرمتهن، فتنازلت عن الساعة الألماظ هدية فرنسا كنوع من الأحتجاج الشريف!.. فأخدها نابليون ولم يهتم ومنحها إلى عشيقته. ولكن بعد مغادرة نابليون لمصر عام 1799م أعلن أنه سيظل (صديقاً إلى الأبد) لهذه السيدة، لدرجة إنه بعث وهو في قمة مجده (امبراطورا على فرنسا) عام 1805م، أمر كتابي إلى قنصل فرنسا العام في مصر، بأن يبذل كل جهده لحمايتها ورعاية أمرها.

ولما تولى الجنرال كليبر قيادة الحملة خلفا لنابليون، تولى زوجها مراد بك حكم جنوب الصعيد بناءا على اتفاق بينهم تجلت معه اسمى معاني الخيانة لما بيشترك مراد بك لدعم القوات الفرنسية بالطعام والسلاح ضد المصريين في ثورة القاهرة الثانية، في حين كانت زوجته تساند الثوار وترعى من يفقد عائلته منهم!.. لغاية ما يصاب زوجها مراد بك بالطاعون ويموت في ابريل عام 1801 ويدفن في سوهاج. وبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر في نفس العام، نجحت نفيسة بمهارة في الحصول على حماية البريطانيين اللي كانوا بسطوا نفوذهم في البلاد ولكن لفترة قصيرة. لغاية ما بيستعيد العثمانيين سيطرتهم على مصر من أول وجديد. وواصلت نفيسة البيضا بثبات سياسة حماية المماليك وأسرهم من النظام الجديد اللي كان شديد العدائية للمماليك لخيانتهم وانحياز كثير منهم لجانب الفرنسيين، فكانت ترعى اسرهم واولادهم لما كانت القوات العثمانية تعتقلهم او تصدر بحقهم احكام بالأعدام، فاشتهرت بين المصريين باسم (أم المماليك).

584.jpg

ومع تعيين الوالي خورشيد باشا عام 1804م تعرضت نفيسة لمحنة كبيرة، لما طلبها الوالي ذات يوم انها تروح له القلعة مقر حكمه ووجّه إليها عديد من التهم اهمها التدبير لثورة في مصر ومساعدة العامة وتأليب المماليك على السلطة العثمانية، وواجهها بإنه قبض على جاريه من جواريها وهي بتوزع منشور ضد الوالي والسلطان.. وكان رد نفيسة عليه زي مابيحكي الجبرتي:

طول ما عشت بمصر وقدري معروف عن الأكابر وخلافهم والسلطان ورجال الدولة وحريمهم يعرفوني أكثر من معرفتي بك، ولقد مرت بنا دولة الفرنسيس فما رأيت منهم الا التكريم وكذلك محمد باشا خسرو كان يعرفني ولم ار منه الا كل معروف، أما أنت فلم يوافق فعلك فعل رجال دولتك ولا اهلهم يا باشا!… ” – (الرافعي، تاريخ الحركة القومية ج1)

وغضب الوالي خورشيد باشا منها جدا وأمر بسجنها!.. فأثار غضب كل اللي كانت بتحسن عليهم بالفضل أوبالمال، ولكنها استمرت ترعاهم حتى في أيام محنتها بمعروفها وبرها، ولم تتوقف عطاياها لحظة وهي في الحبس.. بيقول عنها الجبرتي ان اعتقالها كان في بيت السحيمي بالقاهرة، وانها حاولت الهرب ليلاً لكنها فشلت، “وظلت تنتقل من عذابٍ إلى هوان إلى فقر حتى نسي الناس اسمها ورسمها..”

بعد أن تولى محمد على باشا حكم مصر عام 1805م كانت المحنة الكبرى للست نفيسة البيضا، لأنه في خضم صراعه مع المماليك امر بمصادرة كل أموالها وممتلكاتها وأمر بتحديد اقامتها في بيت أحد المشايخ تحت حراسة العسكر ولا يزورها احد الا باذن من الوالي شخصيا!.. ويتشفع العلماء والأعيان في أمرها، ويتوسطوا في إطلاق سراحها أكثر من مرة ويوافق محمد علي باشا على خروجها على ان تحدد اقامتها في بيتها القديم بدرب عبد الحق (اللي اقامه لها زوجها الأول علي بك الكبير) بعد أن يصادر كل ما دون ذلك لها من مال وعقار ورفض اعادته لها حتى لا يتقوى المماليك بها مرة اخرى، فعاشت بقية أيامها في فقر وجهد، لكنها واجهت محنتها بصبر وقوة عزيمة، تحمل كثير من المروءة وعزة النفس الى ان ماتت الست نفيسة البيضا أو نفيسة هانم قادين عجوزة فقيرة عن عمر يناهز 80 عاما، بعد أن كانت ملكة على مصر (بمعنى الكلمة)، في يوم الخميس 19 إبريل عام 1816 ودفنوها بجوار زوجها فى القرافة الصغرى في الإمام الشافعي. وبعد موتها استولى محمد علي باشا على بيتها وأسكن فيه بعض أكابر دولته، وسبحان من له الدوام..

P1010397(1)

ومازالت دار الوثائق القومية تحتفظ بوثيقة هامة عباره عن بيان ثمن المصوغات والمجوهرات المضبوطة عقب وفاة المرحومة الست نفيسة البيضا معتوقة وحرم المرحوم علي بك رضا الجهادي عن نجلها أحمد بك بتاريخ 17 إبريل 1895م، كما تكفلت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالتعاون مع المجلس الأعلى للأثار في مصر بترميم مجموعة الست نفيسة البيضا الأثرية بالسكرية وتم افتتاحها في مارس 2005م، نعاها الجبرتى بقوله إنها:

“عمرت طويلاً مع العز والسيادة والكلمة النافذة، وأنها كانت من الخيرات ولها علي الفقراء بر وإحسان، ولها من المآثر الكثير..”

وتورد عديد من المصادر ومواقع التدوين أنه بسبب حكايتها المليئة بالأحداث المثيرة، نسجت الكاتبة الفرنسية فرنسواز برتوليه Françoise Bertullet تفاصيل حياة وموت نفيسة البيضا في رواية بعنوان (عاشت في الظل.. ماتت في الذل)، ولكننا بحثنا كثيرا عن نسخة من هذه الرواية ولم نجد لها أصلا!.. في حين صدرت عن سيرتها بالفعل رواية الكاتب نجيب توفيق بعنوان (أم المماليك)، أما الدراما المصرية فقد جسدت قصتها في مسلسل (نابليون والمحروسة) بطولة الفنانة ليلى علوي.

المراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    16
    Shares
  •  
    16
    Shares
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “«أم المماليك».. عاشت ملكة وماتت ذليلة

شاركنا برأيك فيما قرأت!..