أشهر الخونة في تاريخ مصر: مراد بك

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares

“كان يغلب على طبع مراد الخوف والجبن مع التهور والطيش والتورط في الإقدام مع عدم الشجاعة.. وكان من أعظم الأسباب في خراب الأقاليم المصرية..”، الكلمات دي كانت توصيف من الجبرتي لواحد من اعضاء سلسلة (أشهر الخونة في التاريخ المصري) اللي بدأناها من فترة ونستكملها النهاردا.. مراد بك، واللي هانتكلم عنه النهاردا بشيء من التفصيل، خليكو معانا..

مراد-بك-1

زي أي مملوك، بدأ مراد بك حياته واحد من الأجلاب اللي اشتراهم علي بك الكبير من بلاد الشركس (شمال القوقاز والشيشان وجورجيا) وبدأ حياته واحد من مماليكه، وكان من قادة جيوشه اللي خرجت للشام تحت إمرة محمد بك أبو الدهب لضمها إلى أملاك مصر اللي انفصلت عن سلطة الحكم المركزي في اسطنبول (للمزيد طالع هنا)، ولكنه اشترك مه محمد بك أبو الدهب في خيانة سيده، ودخل في حرب مع علي بك الكبير لغاية ما مات على يد قوات محمد بك أبو الدهب، واللي أصبح بعد كدا الحاكم لمصر وتعلم أبو الدهب (ومراد بك بطبيعة الحال) ان زوال السلطة في معاداة العثمانيين فسعى لتثبيت الحكم العثماني واسترضاء السلطان ولكنه ماتهناش بالحكم الا ثلاثة سنوات بس ومات بعدها فجأة، فتولى إبراهيم بك الحكم وكان شيخ البلد وتقاسم بعض سلطاته مع مراد بك واللي كان قائد الجيش ودا كان في 1785م وطبعا بالدخول اسميا تحت طاعة الباشا اللي عينه السلطان العثماني والي على مصر.

ويحكي الجبرتي عن موضوع الحكم المشترك بيقول:

“وعكف مراد بك على لذاته وشهواته وقضى أكثر زمانه خارج المدينة مرة بقصره الذي أنشأه بالروضة وأخرى بجزيرة الذهب وأخرى بقصر قايماز جهة العادلية كل ذلك مع مشاركته لإبراهيم بك في الأحكام والنقض والإبرام والإيراد والإصدار ومقاسمة الأموال والدواوين وتقليد مماليكه وأتباعه الولايات والمناصب وأخذ في بذل الأموال وإنفاقها على أمرائه وأتباعه فانضم إليه بعض أمراء علي بك وغيره ممن مات أسيادهم كعلي بك.. فأكرمهم وواساهم ورخص لمماليكه في هفواتهم وسامحهم في زلاتهم وحظي عنده كل جريء غشوم عسوف ذميم ظلوم فانقلبت أوضاعهم وتبدلت طباعهم وشرهت نفوسهم وعلت رؤوسهم فتناظروا وتفاخروا وطمعوا في أستاذهم وشمخت آنافهم عليه وأغاروا حتى على ما في يده ..”- تاريخ الجبرتي (عجائب الأثار..) ج2

وفي 1786م بيرسل السلطان العثماني عبد الحميد الأول حملة بقيادة الصدر الأعظم حسن باشا الجزايرلي الى مصر لقمع سلطات مراد بك وابراهيم بك، بعد ان كادا ان ينفصلا بحكم مصر وطرد الوالي العثماني، وينتصر طبعا حسن باشا ولكنه بيعقد صفقة مع ابراهيم بك ومراد بك انه بيترك لهم حكم المنطقة الواقعة بين سوهاج وأسوان (جنوب مصر) خالصة لهم مع اداء الخراج كل سنة للأستانة، وبيوافق مؤقتا الأتنين لغاية مايخرج حسن باشا من مصر، ولغاية ما بيوصلهم نبأ عزله عن السلطة في 1788م فبيجمعوا الجيوش وبيرجعوا للقاهرة مرة تانية وبيضغطوا على الوالي العثماني لتعيينهم (الأتنين) في منصب شيخ البلد سنة 1790م واللي كان بمثابة الحاكم الفعلي لمصر!..

وبيحكي الجبرتي عن تعامل مراد بك وابراهيم بك مع المصريين بأن بعض مماليك مراد بك اعتدوا على بعض الفلاحين من مدينة بلبيس (اقليم الشرقية) وجاء وفد منهم لمقابلة شيخ الأزهر الشيخ عبد الله الشرقاوي، بغرض انه يقف جنبهم ويرفع عنهم الظلم. وبالفعل بيجمع المشايخ ويقفل أبواب الأزهر ويأمر الناس بإغلاق الأسواق والدكاكين ويحتشد مع الجموع الغاضبة من الناس أمام منزل ابراهيم بك واللي بيبعت لهم أيوب بك الدفتردار، وبيقول الشيخ الشرقاوي: “نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات”!!.. ولما كان عددهم كتير وحس بقوة تأثير شيخ الأزهر في الناس فأرسل إليه يبريء نفسه من الظلم، ويلقي تبعته على كاهل مراد بك. وفي نفس الوقت أرسل إلى مراد يحذره عاقبة الثورة، فاستسلم مراد بك ورد الأموال المنهوبة وأسترضى نفوس المظلومين بمزيد من المال، ومن يومها بدأ في استرضاء شيخ الأزهر وغيره من زعماء الشعب بكتابة اتفاق يقضى بتقنين الضرائب المفروضة على الناس واوقاف الحرمين الشريفين وبيوافق عليه وبيعتمده الوالي العثماني عشان يحافظ على سلطته أكبر وقت ممكن.

la route a Alexandrie

وفي 1798م وصلت انباء من الأسكندرية ان الفرنسيين حشدوا اسطول لغزو مصر عن طريق روسيتي قنصل النمسا العام في مصر وكان صديق لمراد بك، ويستهين مراد بك بالأمر لإغتراره بقوته العسكرية بدعوى ان المماليك سبق وهزموا الفرنسيين في معركة المنصورة ( اللي كانت من أكتر من 500 سنة وقتها!) وان الموضوع لا يتطلب أكثر من ارسال بارود وسلاح لمحمد كريم في الأسكندرية!.. وبعد استيلاء الفرنسيين على اسكندرية (3 يوليو) ورشيد (6 يوليو)، بيخرج مراد بك بقوات وصلت لـ12 ألف مقاتل وأكثر من 9 سفن تحمل السلاح والعتاد والرجال في النيل، وعند شبراخيت (13 يوليو) بيتم أول لقاء بينه وبين الجيش الفرنسي اللي بيحسم الأمر في ساعات قليلة بقصف المركب الحامل لخزان البارود، وبينفجر فيتفرق الفرسان المماليك وبيطار الفرنسيين فلوله لغاية أم دينار شمال الجيزة. وعن معركة شبراخيت بيقول الجبرتي :

“.. والتقى العسكر المصري مع الفرنسيس فلم تكن إلا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه ولم يقع قتال صحيح وإنما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين واحترقت مراكب مراد بك بما فيها من الجبخانة (الذخيرة) والآلات الحربية واحترق بها رئيس الطبجية (سلاح المدفعية) خليل الكردلي..” – تاريخ الجبرتي (عجائب الأثار..) ج2

معركة امبابة 1798

وعند امبابة، كان اللقاء الثاني بين مراد بك واللي احتشد بقواته على البر الغربي للنيل من بشتيل وامبابة للأهرامات، وابراهيم بك واللي احتشد بقواته على البر الشرقي للنيل في بولاق وشبرا، وبين الجيش الفرنسي اللي قسم نفسه مربعات تحميها المدفعية من الأجناب!.. جمع المماليك قرابة 50 ألف من الفرسان والمشاة والأنكشارية (الجيش العثماني الموجود في مصر) وفرسان العربان (البدو) ودول كانوا مرتزقة بيحاربوا دايما مع المماليك والأهالي اللي خرجوا للجهاد والدفاع عن بلدهم، وفي الواقع كان جيش مراد بك يعاني من سوء التدبير والقيادة والأستهانة بأمر العدو‏، كمان عدم التنسيق بين مراد بك وإبراهيم بك بسبب التنافس القديم على السلطة!.. وفي 21 يوليو يلتقي الجيش الفرنسي والجيش المملوكي في معركة إمبابة (الأهرام كما عرفتها المراجع الفرنسية)، وبعد ساعات قليلة ينهزم جيش مراد بك مرة أخرى فتكون معركة فاصلة ويفر بعدها مراد بك وبقايا جيشه إلى الجيزة، بيحكي الجبرتي ان مراد بك راح على قصره وقضى وقت قصير بعدها توجه إلى الصعيد. وأما إبراهيم بك واللي كان واقف على البر الشرقي من النيل فلما شاف بعينه هزيمة وانسحاب جيوش مراد بك أخذ مماليكه والوالي التركي وانسحبوا جميعاً الى بلبيس وسابوا القاهرة بلا عسكر ولا مدافعين، فدخلها نابليون في 24 اكتوبر بمنتهى السهولة.

Egyptian_Campaign

وأرسل نابليون حملة للصعيد بقيادة الجنرال ديزيه وأمرها بالقضاء على مراد بك ومماليكه، وفي نفس الوقت ارسل روسيتي قنصل النمسا العام (صديق مراد بك اللي قلنا عليه قبل كدا) برسالةٍ مضمونها أن يدخل مراد بك في طاعة الفرنسيين ويكون حاكماً على الصعيد ويدفع خراج سنوي لنابليون. وبيحكي الجبرتي ان مراد بك رفض العرض دا بغرور وبيقول لروسيتي: “ارجع وقل لـ”نابليون” أن يجمع عساكره ويرجع إلى الإسكندرية ويأخذ منا مصروف عسكره، ويحمي نفسه وجنوده منا”!!.. وطبعا كان امر غريب انه يرفض بالثقة دي وهوا مهزوم منهم مرتين وشاف بنفسه مدى القوة اللي كان عليها الجيش الفرنسي، لكن طبيعة مراد بك واللي وصفها الجبرتي من الطيش والتهور والأقدام مع عدم الشجاعة بتفسر الوضع دا. وكان رفضه بالطبع سلسلة مطاردات ومعارك بينه وبين الجنرال ديزيه في كل بلاد الصعيد، وكان مراد بك على يقين انه لن يتمكن من مواجهة قوات الفرنسيين خاصة وأنهم معاهم مدافع قوية ومتحركة وهو ماعندوش!.. عشان كدا كانت خطته عي استدراج الفرنسيين في الصحراء وبلدان مايعرفوش طبيعتها فينهك قواهم ويفقدون الزاد والسلاح فينقض عليهم ويفتك بهم (للمزيد طالع هنا).

marengoo

طبعا اسلوب ماينفعش مع جيش حديث، ومع الأسف اللي تحمل ثمن وتكلفة المقاومة هم المصريين من أبناء الصعيد، فكان مراد بك كل ما ينزل بمدينة أو قرية ينشر مماليكه يجمعوا الميري (الضرائب) بعنف بحجة مقاومة الفرنسيين، ويأخذ من اهلها بعض المشاه في جيشه يصدرهم في مواجهته مع الفرنسيين ويحارب المماليك في الصفوف الخلفية، وبعد ساعات قليلة يهرب هو بمماليكه ويترك المصريين هدف سهل لقنص البنادق الفرنسية، فمات منهم الكثير غير ان جنود الفرنسيين كانوا ينهبون البلاد بلا رحمة بحثا عن الطعام، فكانوا يأخذون الحبوب من بيوت الفلاحين ويذبحون حيواناتهم وطيورهم ويأكلوها، ويخلعون أسقف البيوت وأبوابها ونوافذها للتدفئة بها في ليل الشتاء، ويفرضون الضرائب الباهظة من جديد على الأهالي بعد ان هرب المماليك وتركوهم بلا حماية.

وفي الحقيقة مراد بك مكانش واخد على النوع دا من المعيشة بعيداً عن قصوره وجواريه، وحياة الرفاهية في القاهرة، فبعد خروج نابليون من مصر عام 1799 بتبدأ بعض المراسلات بينه وبين الجنرال كليبر وبيقابله في الفيوم وبيتفق معاه الأتفاق القديم اللي سبق ورفضه، أن يحكم مراد بك الصعيد وولاءه للجمهورية الفرنسية. ويتعهد كليبر بحمايته إذا تعرض لهجوم أعدائه عليه، ويتعهد مراد بك من جانبه بتقديم النجدة اللازمة لمعاونة القوات الفرنسية إذا تعرضت لهجوم عدائي من المصريين او العثمانيين او الأنجليز اللي كانوا محاوطين الشواطئ المصرية، وأن يدفع مراد لكليبر الخراج عن المناطق اللي بيحكمها. وطبعا وكانت قمة خيانة مراد بك بحق أثناء ثورة القاهرة الثانية 1800م، لما شارك في عمليات القتال ضد المصريين، ومنع عن القاهرة الإمدادات الغذائية التي كانوا اهل الصعيد بيبعتوها للثوار في القاهرة، بيحكي الجبرتي أنه صادر شحنة من الأغذية والخراف تقدر بأربعة آلاف رأس وردت من الصعيد لنجدة أهل القاهرة بعد حصار الفرنسيين، وقدمها هديةً إلى كليبر والجيش الفرنسي، في حين كانت بالقاهرة مجاعةٍ حقيقية..!

حريق القاهرة بثورة القاهرة الثانية

وماكتفاش مراد بك بكدا بل كمان سارع بإرسال الهدايا والإمدادات إلى جيش كليبر اللي كان محاصر القاهرة وسلمهم العثمانيين اللاجئين إليه واللي سبق وتعهد بحمايتهم من الفرنسيين، وووقف ضد المماليك اللي كانوا بيقاتلوا الفرنسيين في صفوف المصريين، وسعى لأستمالة بعضهم في القاهرة لينضموا إليه في طاعة الفرنسيين فينهي بذلك ثورة القاهرة!.. ولما فشل نصح كليبر بأن يحرق القاهرة بمن فيها!.. و أمد الفرنسيين بالبارود والمواد الحارقة التي استخدمت بالفعل في تدمير أحياء القاهرة. وكان طبعا مراد بك اشترى البارود دا بالأموال اللي جمعها من المصريين للدفاع عنهم ضد أي خطر. واندلعت النيران في حي بولاق (واللي كان منبع الثورة) وسقطت البيوت على من فيها، وتناثرت جثث القتلى، واستمر الضرب بالمدافع حتى دمر الفرنسيين الحي بأكمله. ثم تتابع هجوم الفرنسيين على سائر أحياء القاهرة، واحد ورا التاني واستمر الضرب بلا رحمة لمدة ثمانية أيام جرت في أثنائها الدماء أنهاراً في الشوارع، وأصبحت أحياء القاهرة خراباً. وبيقول الجبرتي انه لولا انضمام مراد بك الى صف الفرنسيين ومشورته بحريق القاهرة لما انتهت ثورة القاهرة الثانية بالنهاية المفجعة والسريعة دي!.. وبعد مقتل كليبر على يد سليمان الحلبي في يونيو 1800م (للمزيد طالع هنا) بتروح قيادة الحملة الى الجنرال مينو وبيروح مراد بك الى جرجا للأستقرار بها بعد ان فقد الأمل في الرجوع مرة تانية للقاهرة.

350px-Pierre-Narcisse_Guérin_Napoleon_Pardoning_the_Rebels_at_Cairo

ومن جرجا، كان مراد بك يتابع الموقف في القاهرة والإسكندرية بدقة شديدة، وبدأ يدرك فعلا نهاية الفرنسيين في مصر واقتنع بضعفهم أمام الإنجليز بعد الهزائم على ساحل البحر في الأسكندرية. وبحثا عن موقف أفضل، اتصل مراد بالإنجليز، وعرض عليهم المساعدة ونجحت مفاوضاته معهم بالفعل، وأخبره الإنجليز أنهم قبلوه كمعاون وطلبوا منه الأنضمام في المعركة الأخيرة والحاسمة ضد الفرنسيين. و وبيوافق مراد بك وبيغير ولاءه بسرعة زي مايكون قميص في يوم صيفي حار!… فأنتماءه الأول والأخير هو مكانته ومصلحته فقط، وفي ذروة سعادته بأنه نجح في أن يلعب على الجانبين الفرنسي والإنجليزي بنجاح، كان على موعد مع مرض قاتل قبل نشوب المعركة الأخيرة بين الإنجليز والفرنسيين، أصاب الطاعون مراد بك، ومات في 22 أبريل عام 1801 ودفن في سوهاج غير مأسوفا عليه من اي من المصريين ولا الفرنسيين ولا الأنجليز اللي تعهد بمعاونتهم و مساعدتهم، ويترك قيادة المماليك من بعده لمحمد بك الألفي تمهيدا لأغلاق صفحة المماليك من التاريخ المصري على يد محمد علي باشا (للمزيد طالع هنا)

El_Alfi

وطبعا ماينفعش نتكلم عن شخصية مراد بك، ومانتكلمش عن زوجته الفاضلة الست نفيسة البيضا واللي بنفضل اننا نعمل لها تدوينة خاصة بها عشان الناس تعرف قد ايه كانت عظيمة بخلاف زوجها تماما!.. فتابعونا..

20160208_183826_9863

ماتنساش تشارك التدوينة مع اصدقائك للفائدة، وماتنساش كمان تقييم المقال باعلى الصفحة، وماتبخلش علينا بمتابعة المدونة وحساباتنا على التواصل الأجتماعي .. شكرا

المراجع:

  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار ج2، دار الكتب المصرية 1988
  • محمد فؤاد شكري، الحملة الفرنسية وظهور محمد علي، مطبعة المعارف 1990
  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية ج 1، دار المعارف 1987

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares
  •  
    20
    Shares
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

5 thoughts on “أشهر الخونة في تاريخ مصر: مراد بك

شاركنا برأيك فيما قرأت!..